مقالات فلسفية علوم تجريبية

أصل الرياضيات
  هل يمكن رد أساس الرياضيات إلى معطيات العقل أم الحواس ؟

انفصلت الرياضيات عن الفلسفة نتيجة وجود موضوع معين للدراسة ومنهج متبع في ذلك إلا أن وجود أي علم يستلزم وجود أساس يقوم عليه أو مصدر يحدثه ، ونتيجة ارتباط وجود الشيء بالواقع ذهب البعض إلى التأكيد على أن أصل المفاهيم الرياضية التي توصل إليها الفرد هو التجربة الحسية " أي الواقع الحسي " أو مدركاتنا الحسية ، لكن عندما كانت الرياضيات تدرس موضوعات مجردة من كل مادة حسية كانت القضايا التي تقررها مطلقة ويقينية معتمدة في ذلك على العقل ، وهذا ما يؤكد طابعها العقلي .الاختلاف بين التصورين ترتب عنه جدلا بين الفلاسفة والعلماء حول أصل المفاهيم الرياضية  فهل يمكن رد أساس الرياضيات إلى العقل أم التجربة .؟
    **  يرجع وجود الرياضيات إلى العقل ، هذا ما أكد عليه العقليون أو المثاليون الذين يقرون بإمكان الإنسان الوصول إلى تحقيق معرفة جوهرية عما يحيط به من أشياء بواسطة الاستدلال العقلي الخالص بغير اللجوء إلى مقدمات تجريبية ، فالعقل بطبيعته يتوفر على مبادئ وأفكار فطرية سابقة للتجربة الحسية  وتتميز بالبداهة والوضوح ، وأن كل ما يصدر عن هذا العقل من أحكام وقضايا ومفاهيم يعتبر ضروريا وكليا ومطلقا ، وعلى هذا الأساس حصر هؤلاء الرياضيات في أنها جملة من المفاهيم المجردة أنشأها الذهن واستنبطها من مبادئ ومن دون الحاجة إلى الرجوع للواقع الحسي ، وذلك لأن الذهن توجد فيه مبادئ قبلية سابقة للتجربة ، وهو ما يؤكد بأن المعرفة الرياضية تتصف بمميزات منها المطلقية والضرورة والكلية ، وهي مميزات خالصة موجودة في المعرفة الرياضية وتتعذر في غيرها من العلوم التي تنسب إلى التجربة ،ذلك لافتقارها  للقدرة الذهنية والعقل الإنساني ،فالمكان الهندسي والخط المستقيم ومفاهيم العدد واللانهائي ، والأكبر والأصغر وغيرها كلها معان رياضية عقلية مجردة لا تدل على أنها نشأت عن طريق الملاحظة الحسية ، إنما هي صادرة عن العقل ، وإذا أردنا أن نستقرأ هذه النظرة عبر تاريخ الفكر الفلسفي فنجدها مجسدة في الفكر الفلسفي اليوناني حيث نجد اليونان هم الذين نقلوا الممارسة الرياضية من عالم الحس إلى عالم العقل ، من التطبيق العملي إلى التفكير المجرد فجعلوا الرياضيات تتناول ما هو ثابت وأبدي لا ما هو متغير ومؤقت ، وهنا نجد الفيلسوف اليوناني أفلاطون يعتقد أن المعطيات الأولية للرياضيات توجد في عالم المثل ، وذلك لأن العقل حسبه كان يحيا في هذا العالم وكان على علم بسائر الحقائق ومنها المعطيات الرياضية الأولية والتي هي أزلية وثابتة كالمستقيم والدائرة والتعريف الرياضي ، لكنه عند مفارقته لهذا العالم نسي أفكاره فكان عليه أن يتذكرها وأن يدركها بالذهن وحده يقول أفلاطون :" ليست مهمة العلم الرياضي خدمة التجار في عملية البيع والشراء كما يعتقد الجهال ، بل تيسير طريق النفس في انتقالها من دائرة الأشياء الفانية إلى تأمل الحقيقة الثابتة الخالدة". فالمثلث المرسوم على الأرض أو الورق مثلا لا بد أن يلحقه نقص ، فقد لا يكون مستويا تمام الاستواء ، وقد لا تكون أضلعه مستقيمة تمام الاستقامة ، وعلى العكس من ذلك المثلث القائم في الذهن فهو كامل من جميع الوجوه ( 1 ) والعلاقة هنا بين الشكل الهندسي كما هو في الذهن وبين الشكل نفسه كما يرسم على الورق كالعلاقة بين الفكر والكلمة ، فكما أن الكلمة لا تعبر عن الفكر تعبيرا كاملا فكذلك الأشكال الهندسية الحسية فهي لا تعبر تمام التعبير عن الكلمات الهندسية كما هي موجودة في عالم الذهن أما في مجال الأعداد فقد صرف اليونان ومعهم أفلاطون نظرهم إلى البحث في بعض الأعداد والتأكيد على صفة المطلقية أو الأعداد الكاملة ، فالعدد الكامل عندهم هو الذي يساوي مجموع قواسمه مثل العدد " 28 " فهو يساوي مجموع الأعداد التي يقبل القسمة عليها قسمة صحيحة وهي" 1 ، 2 ، 4 ، 7 ، 14  = 28 " وبهذا المنطق اثبت أفلاطون وغيره من الفلاسفة اليونان أن الرياضيات أصلها مصدرها العقل ، وهي تمتاز باليقين والمطلقية ، صالحة لكل زمان ومكان وبعيدة عن الواقع الحسي .
أما إذا جئنا إلى الفلسفة الحديثة وجدنا  الفيلسوف الفرنسي رونيه ديكارت يعتبر أن المعاني الرياضية من أعداد وأشكال وأفكار فطرية أودعها الله فينا منذ البداية مثل فكرة الله ، وأن هذه الأفكار تتمتع بالبداهة واليقين ، ولما كان العقل أعدل الأشياء قسمة وتوزيعا بين الناس فإنهم جميعا يشتركون في العمليات العقلية  حيث يقيمون عليها استنتاجاتهم ، فاليقين في الجبر مثلا حسب ديكارت يرجع إلى أنه مبنى على قواعد صورية منتظمة تطبق بشكل آلي – بوضوح تام – على الرموز بقطع النظر عن القيم التي يمكن أن تعطى لها ، وبذلك يتأتى لنا إنشاء عوالم وأشكال هندسية يعجز تصورنا الحسي عن تشييدها أو تمثيلها ، الشيء الذي يمكننا من التعامل مع كائنات رياضية جديدة قد لا يكون لها مقابل في الواقع الحسي .( 2) لهذا اعتبر ديكارت الرياضيات مثال الدقة والوضوح والبداهة بعيدة عن الشك ، فنحن لا نقبل قضية أو معتقد إلا إذا كان صادقا صدقا ذاتيا ، لأن الرياضيات تقوم على مبادئ وأفكار فطرية قبلية أوجدها العقل ولم يستمدها من الخبرة ، وهذه المبادئ تمتاز بالوضوح لذلك فهي صادقة ولا يمكن الشك فيها ، كما أن الرياضيات بنوعيها " الجبر والهندسة " أكثر العلوم دقة لأنها إستنتاجية عقلية ولا تعتمد على التجربة .

 ولهذا عندما كانت الرياضيات معطى عقليًا كانت من حظ الإنسان دون غيره من الأنواع الحيوانية الأخرى التي تشترك معه في الجهاز الحسي وهذا نتيجة امتلاكه للعقل ، إضافة إلى ذلك نجد أن المفاهيم الرياضية التي نجسدها على الواقع أو الورقة أو أي سطح هي مظهر من الصورة الحقيقية الموجودة في العقل ، فالدائرة المرسومة ليست هي الدائرة بالمعنى الحقيقي ، أي أن كل مفهوم رياضي ليس له ما يقابله في الواقع الحسي ، فإذا لم نقل بالطابع العقلي لها كان كل مفهوم يوجد في الذهن له ما يقابله في الواقع الحسي وهذا يخالف الواقع " مفهوم الدائرة يصدق على ما لانهاية من الأشياء ، وهذا كله راجع إلى أن الرياضيات قضاياها مجردة علاقاتها في منأى عن أي تغيير مثل +، = ،..... إلخ وهذا تأمل خاص يتسم بالصورية والتجريد ، وخال من التناقض الشيء الذي من شأنه أن يجعل الرياضيات تتسم بالصدق واليقين . كما أن ظهور الهندسة اللإقليدية أكد الطابع العقلي للرياضيات ، حيث نجد هذه الأخيرة صحيحة وصادقة رغم أن بناءها قائم أساسا على الافتراض الذي يجسد ارتباط الصدق فيها بعدم تناقض النتائج مع المقدمات داخل النسق ، وما هذا إلا نشاط ذهني . 
  النقد : 
 لايمكن نفي دور العقل في تحديد المفاهيم الرياضية ، كون الرياضيات كعلم عقلي مجرد يستلزم تدخل العقل في ذلك ، إلاّ أن هذه النظرة مبالغ فيها كون العقل إذا عزل عن معطيات الحواس لا يعطينا إلاّ أوهام وتخيلات ميتافيزيقية لا مفاهيم رياضية منطقية ، لأن لا وجود لمنطق سليم غير منطق العقل وهذا ما يثبت أنه لا يمكن اعتبار أصل المفاهيم الرياضية هو العقل .
النظرة التجريبية { الأصل التجريبي }
  المبادئ والمفاهيم الرياضية مثل جميع معارفنا فيما يرى الحسيون والتجريبيون مستقاة من الحس والتجربة ، وأنه ليس ثمة في العقل شيئا إلاّ ما تمده به المعطيات الحسية ، ولذلك فجميع أفكارنا يمكن أن تحلل – في نظرهم – إلى مدركات بسيطة مستمدة من التجربة ، والقضايا الرياضية التي يتخذ منها العقليون حجة لهم ليست في نظر جون ستيوارت ميل سوى تعميمات تجريبية مثلها مثل باقي الأفكار المجردة ، على أن منهم من يرى أن القضايا و الأفكار التي لا تستمد من التجربة ليست سوى عبارات فارغة من المعنى  ، كون هذه الأخيرة هي المصدر اليقيني لكل أفكارنا ومعارفنا ، وأنها هي التي تخط سطورها على العقل الذي هو شبيه بالصفحة البيضاء ، وليس ثمة في ذهنه معارف عقلية قبلية مستقلة عما تمدنا إياه الخبرة وتلقنه له الممارسات والتجارب ، وفي هذا الصدد يقولون :" لا يوجد شيء في الذهن ما لم يوجد من قبل في التجربة ." ، ويقولون أيضا إن القضايا الرياضية التي هي من الأفكار المركبة ليست سوى مدركات بسيطة نتيجة التأمل ، وأنه عند تحليلها ترتد إلى مصدرها الحسي الذي هو صورة من صور التجربة الحسية الخارجية . فالطفل في مقتبل عمره يستعمل العيدان  أو يستخدام  الحصى أو الأصابع هذا ما أوحى له  بفكرة العدد ،كما أن أشكال بعض الأشياء الطبيعية توحي بفكرة الأشكال الهندسية مثل قرص القمر أوحى للإنسان بفكرة الدائرة ، وهذا ما أثبته تاريخ الرياضيات عندما بين أن تجربة مسح الأراضي كما يمارسها قدماء المصريين هي التي أدت إلى نشؤ الهندسة ، إذ نشأ هذا الأخير إلى جانب علم الحساب وغيره من العلوم في مصر الفرعونية تحت ضغط الحاجات الإقتصادية والاجتماعية ، ففيضانات وادي النيل دفعت المصريين القدماء إلى ابتكار طرق وأساليب هندسية لتحديد مساحات الحقول وتنظيم الزراعة والري ، كما أن  اهتمامهم ببناء الأهرامات جعلهم يتقدمون في استعمال الخطوط والحساب ، وتدل المتوفرة حاليا على أن المصريين القدماء كانوا يعرفون كيف يستخرجون مساحات بعض الأشكال الهندسية حتى تلك التي تتطلب القيام بعمليات معقدة نوعا ما " مساحة نصف الكرة ، حجم جذع الهرم ذي القاعدة المربعة الشكل ، المثلث المتساوي الساقين ، خاصية الوتر في المثلث القائم الزاوية ..... ، إلخ " .
إضافة إلى هذا كله نجد تاريخ العلم يدلنا أيضا على أن الرياضيات قبل أن تصبح علما عقليا قطعت مرحلة كلها تجريبية ويشهد على ذلك أن العلوم الرياضية المادية هي التي تطورت قبل غيرها ، فالهندسة كفن قائم بذاته سبقت الحساب والجبر لأنها أقرب إلى التجربة .وبهذا يصبح أصل الرياضيات هو التجربة لا مصدر آخر .
النقد :
  صحيح أن التجربة والواقع يمدان العقل بمختلف المعارف ، إلاّ أن هذا المبرر غير كاف لجعل التجربة الحسية مصدرا وأساسا لعلم الرياضيات ، ذلك أن الإقرار بذلك يوقعنا في تناقض مع طبيعة الرياضيات التي علم عقلي مجرد موضوعه المفاهيم الكمية القابلة للقياس .



التركيب :
 عند النظر في ما جاءت به النظرية العقلية والنظرة الحسية نجدهما يفصلان بين العقل والتجربة ، رغم أن تاريخ الرياضيات يبين لنا أن المعاني الرياضية لا يمكن اعتبارها أشياء محسوسة كلها ، ولا مفاهيم  معقولة خالصة ، بل يمكن أن يتكاملا معا لتفسير نشأة المعاني الرياضية ، لهذا فلا وجود لعالم مثالي للمعاني الرياضية في غياب العالم الخارجي ، ولا وجود للأشياء المحسوسة في غياب الوعي الإنساني بمعزل عن ملكة التجريد ، لذا نجد المعاني الرياضية لم تنشأ دفعة واحدة بل نمت وتطورت  بالتدريج عبر الزمن ، فقد بدأت حسية تجريبية ، ثم تطورت وأصبحت مفاهيم استنتاجيه مجردة ، بل تعبرعن أعلى مراتب التجريد باستعمال الصفر، الأعداد الخيالية والمركبة ، المنحنيات التي لا مماس لها ، المجاهيل " س " ، .... لهذا قال بياجي " إن المعرفة ليست معطى نهائي جاهزا ، وأن التجربة ضرورية لعملية التشكيل والتجريد ."  ، وهذا ما يثبت دور العقل والتجربة في إعطائنا مفاهيم رياضية ، وهنا نجد العالم الرياضي السويسري فردينناد غونزيث يقول :" في كل بناء تجريدي يوجد راسب حدسي يستحيل محوه وإزالته ، وليست هناك معرفة تجريبية خالصة ، ولا معرفة عقلية خالصة ، بل كل ما هناك أن أحد الجانبين العقلي والتجريبي قد يطغى على الآخر دون أن يلغيه تماما ." .
  **  يمكن القول في الأخير أن أصل الرياضيات وإن اختلفت فيه وجهات النظر يكون نتيجة تكامل أساسي العقل والتجربة ، مع القرار بالغلبة للعقل كون الرياضيات علم عقلي والإقرار بعكس ذلك يوقعنا في تناقض ، كون الرياضيات عالم العقل والتجريد ، وهذا ما أثبته تطور الرياضيات في العصر الحديث حيث ابتعدت عن الطابع الحسي المطلق نتيجة التجريد المعتمد .  


الموضوع : اليقين في التجربة

طرح المشكلة :
  لقد كان لانفصال العلوم التجريبية عن الفلسفة  أهمية كبيرة نتيجة اتخاذه الظواهر الطبيعية موضوعا له ، ومن التجربة مقياسا لتحديد درجة اليقين المتوصل إليه ، ونتيجة خضوع هذه الظواهر لنظام ثابت لارتباط حدوث هذه الظواهر بتكرار نفس الشروط والأسباب أصبح اليقين المتوصل إليه من خلال التجربة مطلق وثابت ، وبالتالي إمكانية التنبؤ بحدوث الظواهر في المستقبل ، لكن التطور الذي عرفته العلوم في العصر الحديث خاصة في مجال الفيزياء جعل البعض يعتقد بأن اليقين الذي كانت تنشده التجربة أصبح نسبي . فإلى أي مدى يصح هذا الاعتقاد ؟ وهل يمكن القول بمشروعية المنهج الاستقرائي في ظل التطورات الحديثة في مجال العلم ؟
محاولة حل المشكلة :
اليقين في التجربة نسبي لأن النتائج المتوصل إليها متغيرة ولا تنطبق على جميع الظواهر ، ويمكن التماس هذا التصور على مستوى التنبؤ بحدوث الظاهرة في المستقبل والتحكم في الظواهر ، فمن المستحيل نظريا أن يتم التنبؤ بالمستقبل على وجه الأكمل ، ما دام المنهج العلمي يقوم على استقراء غير شامل لجميع الظواهر ، والقانون العلمي يقوم على ملاحظة حسية تتناول ظاهرة جزئية في زمانها ومكانها ، ومع ذلك فإنه يسحب على جميع ما يشبهها من ظواهر في الماضي والحاضر والمستقبل ، ولقد ألح فلاسفة العلوم على صفة الترجيح والاحتمال وأقروا أنه ليس يقينيا كما هو الحال في العلوم الصورية من منطق ورياضيات وهنا يقول زكي نجيب محمود :" .. نعم والعلوم الطبيعية كلها قائمة على الترجيح لا اليقين ، لأن اليقين لا يكون إلاّ في القضايا التكرارية التي لا تقول شيئا جديدا كقضايا الرياضيات وأما القضايا الإخبارية التي تنبئ  بجديد فهي دائما معرضة لشيء من الخطأ ولذا فصدقها احتمالي ". وهذا تأكيد على أن اليقين في الاستدلال التجريبي نسبي وليس مطلق ، وبالتالي فإن المنهج العلمي غير مشروع مادامت النتائج المتوصل إليها غير يقينية ، هذا ونجد أبو حامد الغزالي ينكر أن تكون ظاهرة ما سببا في حدوث الأخرى ، لأن السبب الأول والوحيد لكل ظاهرة عنده هو الله عز وجل لأنه القادر على كل شيء ، وعالم بكل شيء ، يحدث العالم بإرادته ويبطله بإرادته ، ومعنى السبب عنده هو الشيء الذي يحصل عنده الآخر وليس به يقول :" ليست النار هي التي تحرق القطن لأن النار جماد لا فعل لها ، فاعل الاحتراق في القطن هو الله عز وجل ".
وفي السياق نفسه نجد الفيلسوف الانجليزي دافيد هيوم  يثير الشك حول نتائج التجربة وبالتالي المنهج الاستقرائي ،حيث يؤكد على أنه لا يوجد دليل عقلي أو تجريبي يدل على صدق الاستقراء أو يبرر الاعتماد عليه في الكشف عن صدق القضايا ، ولا يمكن أن نثق في الاستقراء إلاّ إذا كانت القضايا العامة التي يتصور صدقها مماثلة للقضايا الرياضية التي تمتاز بالصدق واليقين ، فنحن مثلا نستطيع أن نبرهن عقليا على أن الشمس تشرق غدا ، لهذا فإن صدق القضايا الاستقرائية في الماضي والحاضر ليس دليلا على صدقها في المستقبل ، والمبرر الوحيد لذلك أننا تعودنا على رؤية تعاقب الظواهر مثل تعاقب الليل والنهار ، أو تعاقب البرق والرعد ، فاعتقدنا بذلك أن الشمس تشرق غدا وأن الرعد يتبع البرق ، وعليه تصبح المبادئ الموجود في الذهن مرتبطة بمعطيات التجربة الحسية وما تعود على رؤيته الأفراد .
إضافة لذلك نجد أن ما يبرر القول بأن اليقين في التجربة نسبي هو الانطلاق من مقدمات غير مؤكدة مجسدة في المبادئ التي يعتمد عليها العقل عند الاستدلال ، وهنا نجد جون ستيوارت ميل لا يعتبر مبدأ السببية العام مبدأ فطريا ولا يقر بصدقه إلاّ إذا أكدته الطرق الاستقرائية ، لهذا أكد أنه ليس كل متقدما سببا ، فالليل يسبق النهار ، ولا يعتقد أحد أن الليل سبب حدوث النهار ، لأن سبب حدوثه هو إشراق الشمس ثم هذا مثلا حريق اشتعل في غابة حين سقط منا عود الثقاب ، أيحق لنا اعتبار عود الثقاب هذا سببا في احتراق الغابة ؟ إن الملاحظة الدقيقة تكشف لنا أمور منها : أنه لولا قابلية الخشب للاحتراق ، ولولا وجود الأكسجين في الهواء ، ولولا وجودنا في الغابة وعدم انتباهنا لما حدث ، ما أشعل الثقاب الغابة . كما أن الدراسات الحديثة في مجال الفيزياء بينت أن اليقين في التجربة نسبي لأن النتائج المتوصل إليها لا تنطبق على جميع الظواهر فقد بين بلانك بنظريته المعروفة بالكوانتا أي الكمات أن الذرة المشعة لا تصدر طاقتها بصفة منتظمة أو متصلة ،وإنما تصدرها بصفة انفصالية أو بصدمات ،فإصدار الطاقة الانفصالية الذي يتم بالصدمة ، يفترض أن إصدار الأشعة هو ظاهرة إحصائية ،ولقد توصل العلماء بعد بلانك في الميدان الفيزيائي إلى أنه يستحيل تعيين موقع دقيقة ذرية وسرعتها معا تعيينا مضبوطا ومباشرا ، يمكن تقدير بالتدقيق ،ولكن تدخل أداة الملاحظ تحول إلى حد ما ، دون معرفة السرعة ، وهنا يؤكد هيزنبرغ أن مبدأ الحتمية ليس مطلقا و لا يصدق على ظواهر الطبيعة خاصة العالم الأصغر أو ما يطلق عليه بالميكرو فيزياء " الظواهر المتناهية في الصغر" ، إذ تبين من خلال الحقائق العلمية الجديدة أن هذه الظواهر تفلت من قبضة الحتمية وتدخل في مجال آخر هو مجال اللاحتمية يقول هيزنبرغ واصفا النتائج والمفاهيم العلمية :" ... غير أن المفاهيم العلمية الموجودة لا يمكنها أن تشمل أبدا إلاّ جانبا محدودا جدا من الواقع ."  هذا يعني أن الأسباب ذاتها تولد النتائج نفسها في مستوى الفيزياء المدرسية أو فيزياء العين المجردة أو ما يطلق عليها بعالم الماكروفيزياء  " المتناهية في الكبر " لكن كل شيء يبدو على غير هذا إذا أردنا تطبيق مبادئ العلية على عالم الذرة أو نقيس الغائب بواسطة  الحاضر يقول إدنجتون :" إن الإيمان بوجود علاقات دقيقة وصارمة في الطبيعة والذي اعتمد عليه العلم عصورا طويلة ليس إلاّ نتيجة للطابع الساذج الذي تتصف به معرفتنا للكون .."
هذه الدراسات الحديثة في مجال الفيزياء أدت إلى ظهور الطابع الإحصائي للقوانين العلمية ورفض مبدأ الحتمية وها ما تجلى في الدراسات التي قام بها هيزنبرغ وآنشتاين عند محاولتهم قياس شدة وسرعة حركة الإلكترون ، حيث عجزوا عن القيام بذلك يقول هيزنبرغ :" إن الإلكترون لا يمكن تحديد موقعه وسرعته في آن واحد فكلما سلط عليه الضوء لتحديد موقعه كلما انحرف عنه ." .
 كما أننا نجد التفسير النسبي لليقين في التجربة مرتبط بتغير عالم الأشياء المستمر ، وعلى الرغم من التسليم بمبدأي الحتمية والاطراد وهذا لأن نظام الظواهر غير ثابت ، وهنا نجد الفيلسوف اليوناني هيراقلطس يؤكد على أن الصيرورة هي جوهر الكون وحقيقته ، فلا شيء يدوم على حال معينة لحظتين متتابعتين ، وأن هذا البقاء الذي ننسبه للأشياء مع اختلاف في الطول والقصر باختلاف الأشياء نفسها خداع من الحواس ولا يتفق مع الواقع كما يخيل إلينا ، إن الموجة مثلا تظل هي بعينها تحبو على سطح الماء حتى ترتطم على صخرة الشاطئ ، مع أن الحقيقة المعروفة هي أن الموجة وإن احتفظت بصورتها الخارجية ، فإن ماءها الذي تتكون منه يتغير في كل لحظة زمنية وهكذا الأمر في كل شيء الشيء الذي جعله يشبه الأشياء كلها بالنهر الذي نراه من بعيد هادئا ولكنه متحرك نحو مصبه .
    النقد :
 صحيح أن التطورات التي عرفها العلم جعلت من النسبية الميزة المميزة له ، لكن هذا غير كاف لجعله مبررا لنفي مبدأ الحتمية ، لأن كل ظاهرة مهما كبرت أو صغرت فهي تخضع لشروط محددة ، كما أن العلم تطور ووصل درجات اليقين عندما آمن الباحث أن نظام الظواهر ثابت قائم أساسا على مبادئ العلية .
      اليقين في التجربة مطلق ما دامت الظواهر تخضع لنظام ثابت ويتكرر بنفس الطريقة ، هذا ما حاول أن يؤكد عليه العديد من العلماء خاصة في القرن التاسع عشر  كون مبدأ الحتمية مطلق ، وبالتالي فلا مجال للصدفة والاحتمال ما دامت الظواهر الطبيعية تخضع لنظام مطرد بعيدا عن التناقض والاضطراب ، وهذا ما يثبت مشروعية التنبؤ وبالتالي مشروعية الاستقراء القائمة على مبدأ السببية العام يقول كانط  في هذا المجال أن هذا المبدأ لا يمكن أن يتطرق إليه أدنى شك لأنه مبدأ عقلي يدل على أن لكل حادث سبب يحدثه ، وأن نفس السبب يؤدي إلى نفس النتيجة .
   ومن هنا كان المبدأ العقلي شرطا ضروريا لتفكير الإنسان ، وهذا ما ذهب إليه تقريبا هنري بوانكاري عندما رفض الفكرة القائلة بأن الطبيعة مضطربة ومعقدة ، إذ لو كانت هذه الفكرة صحيحة لما وجد العلماء أي أساس يعتمدون عليه في تعميم أحكامهم أو يتنبؤون بحدوث الظواهر في المستقبل ، خاصة وأن التنبؤ عنصرا أساسيا في العلم ، لهذا فإن نظام الظواهر الطبيعية لا يقبل الشك أو الاحتمال ، يقول غوبلو :" العالم متسق تجري حوادثه على نظام ثابت ، وأن نظام العالم كلي وعام فلا يشذ عنه في المكان حادث أو ظاهرة ، فالقانون العلمي إذن مرتبط بالعلاقة الضرورية بين الظواهر ." وبهذا أصبح اليقين في التجربة العلمية مطلق .
   النقد :
  صحيح أن العقل البشري يحاول أن يتجاوز الشك والصدفة في مبدأ الحتمية ،لكن التطورات الحديثة التي ظهرت في ميدان العلم جعلت الإنسان عاجز على التنبؤ بكل ظواهر الطبيعة خاصة ما يتعلق بالعالم الأصغر .

    التعارض الموجود بين التصورات حول مسألة اليقين في التجربة بين النسبي والمطلق جعل العلم يخضع إلى  الحتمية النسبية ، فقد توصل العلماء لإلى ضبط العديد من الظواهر المتناهية في الصغر واستخرجوا قوانين حتمية في الوراثة والذرة ، وهنا يقول أحد الفلاسفة  " لانجفان " : إن نظريات الذرة في الفيزياء الحديثة لا تهدم مبدأ الحتمية وإنما تهدم فكرة القوانين الصارمة الأكيدة ، أي تهدم المذهب التقليدي ."

    إن الفيزياء الحديثة لم تظهر بسبب عدم  حتمية الظواهر وإنما بسبب ما تنطوي عليه  أدوات من نقائص ، وهذا ما يثبت أن الإنسان يجهل القوانين الصارمة التي تنطبق على عالم اللامتناهيات في الصغر ، لهذا فإن مرحلة عالم الذرة مؤقتة وستزول عندما يتجاوز الإنسان النقص في وسائله التجريبية ، فتصبح الطبيعة بعالميها الأكبر والأصغر تخضع لشروط محددة ومعروفة . 

قارن بين السؤال المشكلة .
     
الطريقة  : مقارنة
          
  ** عندما كانت المعرفة خاصية إنسانية سعى الإنسان منذ القديم إلى محاولة تجاوز مختلف العراقيل ومعرفة مختلف الشروط والأسباب التي تتحكم في حدوث الظواهر التي هو خاضع لها حتى يتمكن من التكيف ،هذه العملية تتم من خلال إجابته عن جملة من الأسئلة المرتبطة بذلك ، ونتيجة تدرج السؤال في الصعوبة والإثارة أصبح يثير مشكلة . وجود السؤال والمشكلة طرح مسألة العلاقة بينهما . فما هي أوجه الاختلاف والتشابه بينهما ؟ وفيما تتمثل طبيعة العلاقة التي توجد بينهما ؟

          * * للمشكلة والسؤال نقاط للاختلاف تؤكد التمايز الموجود بينهما ، فنجد مجال كلّّّ منهما مختلفاً ، ذلك أن المشكلة مسألة فلسفية تدرج ضمن مجال معين بحيث يحصر الموضوع ويطرح طرحا فلسفيا كقولنا مثلا متى يثير السؤال الفلسفي الدهشة ؟ فمجال البحث هنا محدود مرتبط بالسؤال الفلسفي وعلاقته بحالة انفعالية مجسدة في الدهشة على غرار السؤال الذي نجد مجالات البحث فيه متعددة وواسعة حيث يتجاوز فيه السهل والبسيط إلى الصعب وذلك حسب درجة الإثارة الموجودة فيه . إضافة لذلك نجد أن السؤال والمشكلة يختلفان من حيث الصياغة ، ذلك أن صياغة السؤال تكون دائما استفهامية مادام السؤال هو المطلب كتساؤلنا عن ثمن الشيء ؟ أو ما حقيقة الشيء ؟ ، هل العقل مصدر المعرفة ؟ ... إلخ أما المشكلة فقد تصاغ صياغة موضوعية مرتبطة بمشكلة فلسفية تثير دهشة أمام العقل دون أن تقدم في صياغة استفهامية (؟) كما هو الحال في مجرد عرض أطروحة فقط ندعى إلى النظر فيها بعد مشكلتها كما هو الشأن في الأطروحتين الآتيتين حيث يجتمع الضدان " الحرية والحتمية " " بين السلب والإيجاب علاقة تكاملية " فنجد أنفسنا هنا أمام فكرتين تتطلبان البحث والدراسة دون صياغة تساؤلية (؟) ، وفي بعض الأحيان يضاف إليهما المطلوب التالي " حلل وناقش " .
ومن جهة أخرى نجد أن السؤال يختلف عن المشكلة من حيث النتائج ، وذلك نتيجة ارتباط المشكلة بمجال معين ،الشيء الذي جعل الباحث أو الدارس مجبراً على دراسة هذه المسألة ضمن نزعة معينة أو اتجاه محدد ، فعندما يطلب منّّّّّا الإجابة بالنفي أو الإثبات بأن لكل سؤال جواب ،أو ليس لكل سؤال جواب ؟ فكل أطروحة منهما نجدها صحيحة ضمن السياق الذي تعالج فيه ، على غرار السؤال الذي نجد له مجالات متعددة يستعصى فيها على الإنسان الوصول إلى إجابة أو حل لهذه المسألة ، فيصبح السؤال هنا بمثابة إشكالية غير قابلة للحل ، وذلك نتيجة دمج المشكلة في الإشكالية نظرا لدرجة صعوبتها في انتظار مبادرة المفكرين ومحاولة الفلاسفة كما هو الشأن في السؤال التالي : هل هناك ما يدعو إلى الحديث عن الثوابت المطلقة في عصر المتغيرات ؟
وهنا نتساءل هل هناك من لا يؤمن بالتغير وهو سمة الأشياء وخاصة المعرفة أي ( النسبية ) .
إضافة إلى هذا كله نجد أن المشكلة تختلف عن السؤال من حيث التضمن ، حيث نجد أن السؤال متضمن للمشكلة لهذا أصبحت هذه الأخيرة جزء منه ، باعتبار أن السؤال الفلسفي يثير مشكلة وإشكالية ، فإذا كان السؤال يعالج إشكالية تصبح المشكلة هنا جزء من الكل ، فإذا قلنا فيما يتمثل
أساس القيم الأخلاقية ؟  . هذا السؤال يتضمن إشكالية تدرج ضمنها مشكلات فلسفية تتمثل في وجهة نظر العقليين ، وجهة نظر الطبيعيين ، وجهة نظر الاجتماعيين ، إضافة إلى وجهة نظر ذوي النزعة الدينية   .
            * رغم كل هذه الاختلافات إلا أن هذا لا يعني أنه لا توجد بينهما نقاط للتشابه والتي نذكر من أهمها :  كلٌّ من المشكلة والسؤال لهما الهدف نفسه  حيث نجدهما يهدفان إلى البحث عن الحقيقة ، وذلك لأن وجود كل واحدا منهما يستلزم حلاً يتجاوز من خلاله الفرد جهله لهذا الشيء ، ومعرفة شروط  وأسباب حدوث الظواهر ، فالبحث عن أساس القيم الأخلاقية من خلال وجود سؤال هل يمكن القول بأن العقل أساس القيم الأخلاقية ؟ الهدف منه هو تحديد معيارٍ دقيقٍ لتحديد الخير والشر أو قيمة سلوكات الإنسان ، وأساس استنباط الأحكام الشرعية . إضافة إلى ذلك نجد أن كلا من السؤال والمشكلة يثير العقل وهذا نتيجة فرض الضرورة على العقل فكرة وجود جواب لكل سؤال يطرح وطبيعة الإثارة التي يتركها  السؤال في نفسية كل فرد ، وهذا ما يتطلب بذل نشاط ذهني يمكن الفرد من تحديد جواب عن السؤال أو المشكلة المطروحة ، وهذه العملية تتم من خلال النشاطات الفكرية التي يقوم بها الذهن كالتذكر، والتخيل والذكاء ، .... ، إلخ .
كما أننا نجد السؤال والمشكلة يشتركان في كونهما يصاغان صياغة استفهامية على شاكلة سؤال وهذا حسب طبيعة الموضوع الذي يتناوله كلا منهما ، لأن الذهن لا ينفعل إلا لوجود تساؤل أو إثارة .
       *  وعليه فإننا نصل إلى أن الشيء المشترك بين السؤال والمشكلة يتجسد في التفكير ، لهذا يعتبر هذا الأخير أساس العلاقة بينهما ، وذلك لأن مصير السؤال الفلسفي يتوقف على الإنسان ككائن عاقل وفضولي يعيش على الفطرة والاكتساب ، لذا فإن تحديد كلّّ من السؤال والمشكلة يتطلب بذل جهد عقلي للفصل في المسألة المطروحة وهنا يقول جون ديوي :" إن التفكير لا ينشأ إلا إذا وجدت مشكلة ، وأن الحاجة إلى حل أي مشكلة هي العامل المرشد دائما في عملية التفكير."

        **  مما سبق ذكره يمكننا الإقرار بأنه رغم الاختلافات والتشابهات الموجودة بين السؤال والمشكلة فإنه لا يمكننا أن نأخذ العلاقة الموجودة بينهما على أساس الاطراد أو العكس ، فقد يكون لهما حلٌّ أو يبقى معلقا على اعتبار أنه يتناول قضية صعبة تثير التوتر ، ومن ثم يدعونا إلى التفكير ومحاولة البحث عن الإجابة ، وإذا كانت هناك علاقة بين الطرفين فيجب أن تقام على أساس عقلي محض .          

نص السؤال هل  معرفة الذات تتوقف على وجود الغير أم على الوعي بالأنا ؟

الطريقة : جدلية .

      * * يتميز الإنسان بكونه كائن حي فضوليا يطمح دائما إلى إدراك الحقيقة ومعرفة العالم الخارجي ، إلاّ أن هذا لم يثني عليه إقباله إلى معرفة ذاته ، وباعتباره كائنا عاقلا واعيا لأحواله الشعورية أصبح الاعتقاد بأن معرفة الذات تتوقف على الشعور بها ، وفي مقابل ذلك نجد أن صفة المدنية التي يتصف بها الإنسان تفرض وجود الآخر والغير حتى يدرك ذاته المتميزة عن هذا الغير وهو ما يوحي بضرورة وجود الغير لإدراك الذات .فإلى أي حد يصدق هذا الاعتقاد ؟.و هل معرفة الذات تكمن فيما يراه الغير فينا أم فيما نراه في أنفسنا  ؟ أو بعبارة أخرى هل معرفة الذات تتوقف على وجود الغير أم وجود الوعي ؟
 
     ** معرفة الذات تتوقف على وجود الغير باعتباره الطرف المقابل الموجود خارجا عنا ، وهذا ما يثبت أن وجود الوعي غير كاف لمعرفة الذات وإثبات وجودها ، ذلك أن المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد والتفاعل الذي يحصل بينه وبين الآخرين هو الذي يمكنه من إدراك نفسه وباختلافه عن الآخرين ،هذا الغير الذي يواجهنا ويصدر أحكاما حول ذواتنا هو الذي يدفعنا إلى التفكير في أنفسنا ، وهنا يقول الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر :" وجود الآخر شرط وجودي ." فبالقياس إلى الغير ندرك نقائصنا وعيوبنا ومحاسننا ، وأحسن مثال على ذلك أن التلميذ يعرف مستواه من خلال تقييم الأستاذ له ، وهذا ما يدل ويثبت أن الأنا عاجز عن معرفة مكانته وقيمته بنفسه ، لهذا فهو في حاجة إلى الغير الذي هو حسب سارتر الأنا الآخر الذي ليس أنا ، وأنا أعي ذاتي وأتعرف على نفسي من خلاله ، فعندما أحس بأنني مختلف عن غيري فهنا أنا أعي ذاتي ، وهذا الوعي مصدره معرفتي لغيري وإلاّ فلن يتم هذا الوعي ، الشيء الذي يجعل الغير هو الوسيط الضروري بيني أنا وبين نفسي ،لهذا اعتبر سارتر أنا الوعي بالذات لا يتحقق بحدس مباشر كما ادعى ذلك ديكارت ،بل يتحقق عبر الغير ومن خلاله لكن التساؤل المطروح هنا هو كيف يكون الغير وسيطا بيني وبين نفسي ؟ .
 يشرح سارتر وجهة نظره هذه من خلال مفهوم " نظرة الآخر" بقوله : إن نظرة الغير لي تجمدني وتحولني إلى مجرد شيء ، ففي اللحظة التي أقع فيها تحت رقابة الغير أنحط إلى مرتبة الأشياء ، ذلك أن هذه النظرة تجمد إمكانياتي وتسلبني حريتي ، وتقتل عفويتي وقدرتي على الفعل والمبادرة ، وأكبر شاهد على ذلك هو الخجل فهذا الشعور الذي يتحقق في داخلي وبيني وبين نفسي هو شعور لا يتحقق إلاّ من خلال حضور الغير في وعيي ، ذلك أن هذا الشعور لا يمكن أن يتولد عن التأمل حيث يكون الفكر على صلة بنفسه فقط ، إن الخجل في أصله خجل أمام شخص ما ، فإذا بدرت مني بادرة أو صدرت عني حركة مبتذلة لم أشعر حيالها بشيء ولم ألم نفسي عليها طالما كنت وحدي ، وإنما يختلف الأمر لو أدركت أن شخصا آخر قد لمحني ، عندئذ يتصاعد الدم إلى وجنتي ويتفصد جبيني عرقا باردا فلا بد إذن من وجود الغير كواسطة بيني وبين نفسي ، لأنني أخجل من نفسي كما تبدو لغيري ، وأنا أتعرف على نفسي كما يراها الغير ، فالخجل إذن تعرُف وهو خجل من نفسي أمام الغير هكذا أجدني في حاجة إلى الغير كما أدرك كل ما في وجودي من مقومات ، وهاهنا يحيلني الوجود لذاته إلى الوجود للغير وهما شكلان لا ينفصلان من الوجود ولا ينفكان عن الإحالة إلى بعضهما ، فإذا أردنا أن نفهم أحدهما كان لابد من الإشارة إلى الآخر. ( 1 ) إذن فمعرفة الذات في نظر سارترمشروطة بمعرفة الغير ووجوده ، وهذا ما يثبت أن العلاقة بين الذات والآخر علاقة تشيئية صراعية كل واحد يشيئ الآخر ، هذه العلاقة المتوترة بين الطرفين تطرح إشكالا اجتماعيا وأزمة تواصل مع الآخر الغير إنساني ما دام موضوعا فاقدا لما هو إنساني ، لذا يصبح في تصور سارتر مصدر خطر ما دام وجوده يعني لحظة النفي الأول للذات وجحيما ،يقول سارتر :" الجحيم هم الآخرون ." ، فالتعامل مع الغير والاتجاه إليه عبارة عن فعل بارد تغيب فيه الإنسانية والإحساس بالتعاطف . وعليه يصبح الهدف من هذه العلاقة هو معرفة الآخر وليس التعرف والتعارف معه ما دام هذا الأخير غير مؤهل لإقامة علاقة و فعل تواصلي حقيقي مع الذات كونه موضوعا فاقد للإرادة والحرية .
   هذه النظرة التي أكد عليها سارتر نجدها مجسدة في تصور هيجل الذي أكد بأن الآخر ضروري لوجود الذات ما دام الإنسان يعيش في علاقة معه أكثر ما يعيش في فرديته الخاصة ، فالوعي حسب هيجل هو وعي شقي يتطور وينمو من أجل بلوغ مرحلة الاكتمال بطريقة جدلية ، ففي البدء ينحصر إدراك الإنسان لذاته في الإحساس
المباشر ما دام غارقا ومنغمسا في الحياة العضوية ، حيث يحيا بشكل حيواني من خلال غرائزه ومهمته تنحصر في الحفاظ على حياته الجسدية ، في هذه المرحلة تكون علاقته بالوجود والطبيعة علاقة مباشرة وحسية حيث
يلغى كل ما هو مغاير له ولا يعترف  إلا بحقيقته كذات ،في حين الآخر هو كذلك يملك حقيقته كذات ، وبعد مرحلة الإحساس المباشر يعمل الإنسان على تجاوز هذا الوجود الحسي حين تنتصر رغبته الإنسانية على رغبته الحيوانية ، وهو ما يعني أن تصب رغبات الذات على رغبات ذات آخر وليس على شيء طبيعي ، هذا الوضع يولد صراعا مع الآخر من أجل إشباع الرغبة ، وهو صراع من أجل الاعتراف على اعتبار أن تحقيق الوعي بالذات يعني نفي رغبة الآخر ما دامت الرغبة الإنسانية لا يمكن إشباعها إلا عن طريق النفي والقضاء على ما ليس أنا ، فالإنسان يتغذى على الرغبات " رغبات الآخرين " عكس الحيوان الذي يتغذى على الأشياء والإنسان لا يصبح كذلك إلاّ في حالة انتصار رغبته الإنسانية " الرغبة في السيادة " ، لذا تدخل الذات في صراع رغبات  صراع حياة أو موت ، صراع من أجل الاعتراف ، هذا الصراع هو ما نتج عنه علاقة إنسانية ، علاقة السيد والعبد ، المنتصر والمخاطر بحياته الحيوانية يصبح سيدا ، أما العبد فيرغب في الحفاظ على حياته من داخل هذه العلاقة الصراعية ينشئ الوعي بالسيادة والوعي بالعبودية ، غير أن الموت الفعلي لا يحقق الاعتراف وإنما استسلام أحد الطرفين حين يفضل الحياة عن الموت ، هذا التصور الهيجلي مخالف للتصور العقلي – الديكارتي -  الذي يؤسس وجود الذات على أساس المعرفة ، حيث أن الإنسان العارف يبقى حبيس أو سجين الاطمئنان السلبي مادام يعي ذاته ويتمثل باقي الموجودات بشكل شفاف وفق عملية استدلالية تأملية . باعتبار أن تصور هيجل ينظر للإنسان على أنه  كائن يتغذى على الرغبات ، وتحقيق الرغبة يدفعه إلى الخروج من حالة الاطمئنان السلبي إلى العمل لإشباع رغبته ، وإشباع الرغبات لا يتم إلا عن طريق النفي .
 إضافة إلى هذا كله نجد أن استقراء علاقة الإنسان بغيره يثبت ما للمجتمع من دور فعال في تنظيم نشاط الفرد وتربيته منذ الوهلة الأولى . باعتباره المرآة التي يرى الفرد فيها نفسه ويدركها ، يقول واطسن " الطفل مجرد عجينة يصنع  منها المجتمع ما يشاء ، وذلك من خلال الوسائل التي يوفرها ، فكلما كان الوسط الاجتماعي أرقى وأوسع كانت الذات أنمى وأكثر اكتمالا ، وعليه يمكن التمييز بين الأفراد من خلال البيئة التي يعيشون فيها ، فالفرد كما يقول دوركايم ابن بيئته ومرآة تعكس صورة مجتمعه ، فمن غير الممكن أن يتعرف على نفسه إلاّ من خلال اندماجه داخل المجتمع واحتكاكه بالغير ، فنحن نتعرف على الأناني مثلا من خلال تعامله مع الغير ،كذلك الأمر بالنسبة للفضولي والعنيد ...إلخ ، ولو عاش الفرد منعزلا في جزرة بعيدة لما علم عن نفسه شيء ، وهذا ما يثبت ويؤكد دور الآخر والغير في معرفة الذات لذاتها ، لهذا لا يمكننا تصور وجود ذات منعزلة عن الغير ، هذا التصور أكد عليه أيضا هيدغر من خلال تأكيده بأنه لا وجود لذات معزولة عن الذوات الأخرى ، ذلك أن الموجود هنا غالبا ما ينشغل بعالم الحياة اليومية ، وإن مشاغل هذا العالم تستحوذ على اهتمامه فيقع تحت نفوذ ما يمكن أن نسميه ذات الحياة اليومية التي هي ألـ " هم " ، هذا الموجود المشترك يذيب الأنا وينزع عنه كل ما يتميز به أو ينفرد به ، ذلك أنه  يخلق حالة اللامبالاة وجعل الذوات متماثلة ومتشابهة ،فيفقد كل واحد ما له من أصالة وتميز ، حيث يصبح الهم معيارا وسطا بين الأنا والغير ، و تصبح الأنا تدرك نفسها ضمن الآخر والعكس صحيح .
   * صحيح أن الفرد يعيش مع الغير ، لكن هذا الغير لا يدرك منا إلاّ المظاهر الخارجية التي لا تعكس حقيقة ما يجري بداخلنا من نزوات خفية وميول ورغبات ، وهذه المظاهر بإمكاننا اصطناعها والتظاهر بها كالممثل السينمائي الذي يصطنع الانفعالات أو الخجل عند رؤيته للغير ، كما أن أحكام الغير ليست واحدة ، وهذا ما يثبت عجز الغير في تحديد ملامح شخصية الأنا ومعرفة هذا الأخير لذاته .
    ** معرفة الذات تتوقف على وجود الوعي باعتباره نشاط فردي يقوم به الفرد مع ذاته ، كما أنه حدس نفسي يمكن الفرد من إدراك ذاته وأفعاله ، وأحواله النفسية إدراكا مباشرا دون واسطة خارجية ، وهذا ما جعل سقراط قديما يؤكد على أن معرفة الذات تتوقف على وجود الوعي ، وذلك من خلال مقولته المشهورة " أعرف نفسك بنفسك " ، هذه المقولة تنفي وجود تأثير للغير أو الآخر على الذات ، كما أكد على ذلك العديد من الفلاسفة أمثال سارتر وهيجل ... ، فالشعور بالوحدة أو الخوف ، أو الفرح وغيرها من الحالات النفسية ما هي إلا حالات خاصة بالفرد ، ذلك أن الشعور يُعْرَف ولا يُعرَف ، يدركه الفرد بذاته لا بتأثير غيره ، وهذا هو أيضا مضمون مقولة مان دي بيران :" إن الشعور يستند إلى التمييز بين الذات الشاعرة والموضوع الذي نشعر به ." فالموضوع قد يكون شيئا خارجيا أو داخليا لهذا لا يمكن أن يكون هذه الذات نفسها ، لآن وجود هذه الأخيرة وجودا قائما بذاته لا دخل للأشياء الأخرى في بنائه أو إيجاده ، وذلك لأن الأنا هو شعور الذات بذاتها ، والكائن الشاعر بذاته هو من يعرف أنه موجود ، وأنه يدرك ذاته بواسطة التفكير ، وإذا أردنا أن نتتبع وجهة النظر هذه فما علينا إلا أن نتطرق إلى تصور الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت حول هذه المسألة ، حيث نجده انطلق من الشك في وجود الغير وفي وجود العالم على أساس أن الحواس تخدعنا ومصدر غير موثوق في المعرفة ، وأن معرفتنا السابقة بالأشياء غير دقيقة وغير يقينية ، لكنه لم يتمكن في أنه يشك ، ومادام الشك موجودا فلا بد من وجود الذات التي تشك ، ومادام الشك ضرباً من ضروب التفكير فلا يمكن للفرد أن يشك في وجوده ، وهذا هو مضمون الكوجيتو الديكارتي :" أنا أفكر إذن أنا موجود ." ، والذي أقصى من خلاله ديكارت مفهوم الغير كطرف فعال في الوعي بالذات ، باعتبارها ذاتا فردية قادرة على معرفة ذاتها بذاتها وبصورة مباشرة ، ومن دون تدخل الغير ، أي أن الأنا تعيش عزلة أنطولوجية عن الغير حينما تصنع نفسها كأنا مفكرة لا شك في وجودها مقابل الآخر القابل للشك ، بل والمشكوك في وجوده أصلا ، ومن ثمة فالحقيقة اليقينية الوحيدة التي لا تقبل الشك وتفرض نفسها بشكل بديهي هي الأنا أفكر ، أما وجود الغير فمشكوك فيه ذاته وجودا استدلاليا صادرا عن عملية الاستدلال بالمماثلة ، أي أننا لا نعترف بوجود الغير ودوره في معرفة الذات لذاتها مادامت ذاتــا مفكرة (2) .
 هذا التصور الديكارتي ما هو إلا تأكيدٌ لنشاط الذهن الخالص ومعرفة فردية لا دخل للآخر فيها ، لأن التمييز بين الأشياء وفصلها عن الذات قدرة عقلية لا حسية ، ذلك أنه لو افترضنا أن الغير هو مصدر معرفتي لأصبحت هذه المعرفة نسبية لا يقينية ، لكن عندما ارتبطت بنشاط الذهن واستدلالاته أصبحت معرفة يقينية .
وعليه يكون ديكارت قد اعتبر أن وجود الغير أو الآخر يظل وجودا احتماليا متوقفا على حكم العقل واستدلالاته وأن وجود الذات لا يكون إلا من خلال التفكير الممنهج دون الاعتماد على أحكام الغير ، ذلك لأنه بالتفكير نتمكن من عزل الأشياء أو الكائنات من أجل التفكير والنظر فيها منفصلة الواحدة عن الأخرى ، وأن هذا الفعل الذي نقوم به تصاحبه معان ٍ في عقولنا ، وأن العقل عند مقارنته بين الكائنات يلاحظ أنه بينها تشابها وأمورا مشتركة كما يراها أشياء خارجة عن شعوره ، ذلك أن هذا الأخير لا يمكن أن يقع له الإدراك ، وهو مستقل تماما عن الأشياء أو الموضوعات المشعور بها ، وعلى هذا النحو تحصل لهذه الكيفيات مدلولاتها ، ويحصل الإحساس بالتماثل بيننا وبين الآخر ، وعلى هذا فوجود الآخر والشعور به ،والاتصال معه متوقف على ما تقوم به الذات الفردية ( الأنا ) من أفعال باتجاهه ، وهذه الذات تتعرف على العالم وعلى الغير بالعقل ، وهذا ما ينفي دور الغير في معرفة الذات لذاتها . وبهذا نجد أن ديكارت لم يكتف بتعليق الحكم أمام الأمور الداعية إلى الشك ، ولو أنه فعل لبقي مستلقيا على فراش الشك يهرب من الأشباح في أحلامه ، ولكنه إذ ينكر كل ما هو غير يقيني كوجود العالم الخارجي ووجود الآخرين ، ووجود جسده بالذات ، هذا الإنكار يتضمن دائما إثبات وجود الكائن الذي يفكر ، فإذا كنت أفكر فلأنني موجود ، هذه الملاحظة  الوجدانية تصمد أمام هجمات الشك المتكررة ، وتتحد أي روح شريرة مؤكدة على أن معرفة الذات لذاتها وإثبات وجودها يكون عن طريق الوعي لا الغير .
    هذه النظرة الديكارتية نجدها مجسدة في تصور الفيلسوف الفرنسي مالبرانش ، والمؤكدة على نفي الآخر ، حيث أكد انه يستحيل أن نعرف على وجه الدقة وعي الآخرين وأفكارهم وأحاسيسهم ، غير أنني أستطيع على الأقل واعتمادا على المعرفة التي لدي عن حالات وعيي وشعوري الخاصة أن أفترض أو أخمن ما يجري في وعي الآخرين ، إن معرفة كهذه تعتمد على ما يسمى بالاستدلال بالمماثلة ، يقول مالبرانش :" نحن نفترض أن نفوس الآخرين هي من نفس نوع نفوسنا ، وما نشعر به نزعم أنهم يشعرون به ." غير أن المعرفة التي نتوصل إليها عبر هذه المماثلة لا تكون صحيحة ويقينية إلا عندما يكون ما نشعر به مقطوع الصلة بالجسم ، فأنا أستطيع مثلا أن أفترض أن الآخرين يعرفون بعض حقائق الرياضيات ، وقواعد الأخلاق كما أعرفها ، وأنهم يحبون الخير واللذة ويمقوتون الشر والألم ، ويرغبون في السعادة مثلي تماما ، وأنا على حق في كل هذا ، أما فيما يخص الأحاسيس التي يلعب فيها الجسم دورا من خلال تأثيره على النفس فإننا نخطئ عندما ننسبها للآخرين مفترضين أنهم يشبهوننا . هنا أيضا يقول مالبرانش :" إن المعرفة التي لدينا عن الآخرين غالبا ما تكون عرضة للخطأ عندما نستند في حكمنا على الأحاسيس التي لدينا عن أنفسنا فقط ." ، وهنا نجد مالبرانش ينفي دور الغير في تحديد المفاهيم والمعارف التي تصل إليها الذات ، ويؤكد على أن كل ما تصل إليه هذه الأخيرة ما هو إلا نتاج نشاط الذهن ، وبالتالي فمعرفة الذات لذاتها تتوقف على عامل الوعي باعتبارها خاصية فردية .
   * إن الأحكام الذاتية غالبا ما تكون مبالغا فيها ، ووعي الذات لذاتها ليس بمنهج علمي يقيني حتى نعتبره معرفة يقينية ، لأنه لا يوصلنا إلى نتائج موضوعية بل ذاتية ، فالمعرفة تتطلب وجود الذات العارفة وموضوع المعرفة ، في حين أن الذات وحدها لا يمكن أن تشاهد ذاتها بذاتها ذلك أن ما يعرف بالاستبطان عند علماء النفس أمر مستحيل ،لأن الذات وحدها لا يمكن أن تكون الملاَحَظ والملاحِظ، ، وأن تشاهد ذاتها بذاتها لأن الشعور هو دائما الشعور بشيء ، فالفرد لا يمكن له أن يتأمل ذاته وهو في حالة الغضب أو الفزع ،لأن مجرد التفكير في ذلك ينقص من درجته يقول أوغيست كونت " الذات التي تستبطن ذاتها كالعين التي تريد أن ترى نفسها بنفسها "
   * بعد استقرائنا لمسألة إمكانية معرفة الذات لذاتها دون الغير نجد هناك جدلا تضمن أطروحتين متناقضتين لذا يمكن القول بأن الأنا يتكون من خلال التفاعل القائم بين الأنا والآخر، وهذا ما يؤكد على الترابط الوثيق الموجود بينهما  كون الفرد جزء من الكل ، فله أنا شخصي مرتبط بالصورة التي يكونها عنه الغير ، فالفرد مثلا لا يحس بقيمة فرحه إلا ضمن المجموعة وإلا يبقى حالة خاصة ، ويصبح هنا الشخص منطويا على نفسه الشيء الذي يسبب له عقد نفسية ، لذا لا يمكن تجاوز الغير لكن ضمن المعقول ، وهذا ما يؤكد دور التواصل بدلا من العزلة هذا التآلف بين الأنا والغير أكد عليه غابريال مارسال عن طريق التفكير في الذات دون العزلة عن الغير ، أي تشكيل تكامل بين الأنا والأنا الجماعي .
  ** إن إدراك المرء لذاته لا يحصل دون وجود الوعي والغير في نفس الوقت ، لأن الإنسان في تعامله مع الآخرين من أفراد مجتمعه يتصرف بوعي ، ويوفق بين ما يقوله الآخرون عنه وما يعتقده في نفسه ، لأن الشخصية التي تمثل الأنا تتكامل فيها الجوانب الذاتية والموضوعية ، فلا يمكن للفرد أن يحكم على أنه خجول بنفسه لأن التأكيد على ذلك يتطلب تجسيد ذلك في الواقع ( الغير) .                                
             
 التهميش :

(1) فؤاد كامل : الغير في فلسفة سارتر ، دار المعارف بمصر ، ص 19
( 2 ) جنيفا روديس لويس : ديكارت والعقلانية ،ت/ عبده الحلو ، منشورات عويدات،بيروت باريس،ط4،1988

          
نص السؤال  :هل يمكن تطبيق الحتمية في البيلوجيا ؟

    الطريقة: جدلية.                                                                              
        تطور العلم عندما آمن الباحث بأن الظواهر تخضع لنظام ثابت مجسد في مبدإ الحتمية لذا اتصفت الحقيقة العلمية باليقين نتيجة إخضاع الظواهر للتجربة ، هذا ما جعل بقية العلوم تنشد ذلك ومن بينها العلوم البيولوجية . لكن الاختلاف في الطبيعة جعل البعض يؤكد على استحالة تجسيد المبدأ الذي تعتمد عليه العلوم الفيزيائية في البيولوجيا ، هذا ما ولد جدل بين العلماء والمفكرين حول هذه المسألة . فهل يمكن تفسير الظاهرة البيولوجية من خلال مبدأ الحتمية ؟

القضية 01 :
       يمكن تجسيد مبدأ الحتمية في البيولوجيا  ذلك أن الظاهرة الحية لا تختلف عن الظاهرة الفيزيائية لأنهما يخضعان لنفس النظام القائم أساسا على الثبات و التكرار الشيء الذي يجعل  الظاهرة الحية قابلة للتجريب  وبالتالي التنبؤ بحدوثها في المستقبل نتيجة تكرار نفس الشروط ونفس النتائج  وهنا يقول كلود برنار :"  لابد من التسليم كبديهية تجريبية بأن شروط وجود كل ظاهرة  - سواء تعلق الأمر بالكائنات الحية أو بالأجسام الجامدة – هي محددة تحديدا مطلقا ، وهذا يعني بتعبير آخر أن الظاهرة إذا عرف شرطها وتوفر وجب أن تحدث من جديد دائما بالضرورة ، وذلك حسب إرادة العالم التجريبي ، وما إنكار هذه القضية سوى إنكار للعلم ذاته ."
ومعنى ذلك أن الظاهرة الحية قابلة للتحقيق والتفسير العلمي القائم على مبدأ الحتمية ، المرتبط بالضرورة القائمة على أنه كلما توفرة نفس الشروط تترتب عنها نفس النتائج ، وأنه عندما لا تعود الشروط واحدة فإن الظاهرة تتوقف عن أن تكون واحدة ، الشيء الذي يثبت أن مبدأ الحتمية مطلق سواء تعلق الأمر بظواهر الأجسام الجامدة أو ظواهر الكائنات الحية ، ولا يمكن لتأثير الحياة أن يغير في القضية شيئا مهما كان الرأي فيه ، والتجارب التي قام بها كلود برنار على آكلات العشب إلاّ دليل على ذلك { اقتن أرنب من السوق وعزل عنه العشب فتحول بوله إلى بول آكلات اللحوم ، وبعد ذلك منحه العشب فعاد إلى حالته الطبيعية ، ثم كرر التجربة عدة مرات فكان دائما يصل إلى نفس النتيجة ، حتى عندما انتقل إلى حيوان آخر من آكلات العشب ، فتوصل إلى الحكم التالي " كل آكلات العشب تتغذى على ما تدخره في بطونها من شحوم "}  هذه التجارب أثبتت أنه يجب أن تكون هناك حتمية في الظواهر الحية التي تنظمها ، لأن بدونها تكون قوة عمياء لا تخضع لقانون وهذا أمر مستحيل .
 هذا ما جعل الفرق بين المادة الحية والجامدة في الدرجة لا في النوع أي أن المادة الحية تتطلب الدقة والمهارة ومن هنا أكد كلود برنار " خير طريقة ينبغي اعتمادها في علم الحياة هي الطريقة التجريبية " وهذا ما يؤكد أن العضوية عبارة عن نشاط آلي تشارك فيه كل الأعضاء وعليه يكون العضو أسبق من الوظيفة ( عملية الهضم مثلا تحدث بطريقة آلية  هي الطريقة نفسها التي تتحكم في حدوث الظواهر الجامدة ، فتبدأ بدور القواطع والغدة اللعابية وصولا إلى دور الأنزيمات التي تحلل المأكولات ) ، فمعرفة وظيفة العضو تمكننا من معرفة النتيجة أو الظاهرة التي سوف تحدث ، لهذا يمكن اعتبار الأعضاء بمثابة الشروط التي تتحكم في حدوث الظاهرة ، وبالتالي يصبح التنبؤ ممكن في الظواهر الحية بشرط أن تتوفر نفس الأعضاء ، وإن حدث خلل في أحد الأعضاء فإن الظاهرة لا تحدث ، وهذا هو مضمون التفسير العلمي يقول كلود برنار :" ينتج أن ظواهر الحياة ليست لها قوانين خاصة إلاّ لأن ثمة حتمية صارمة في شتى الظروف التي تشكل شروط وجودها أو تثير ظروفها وهذا أمر واحد ولكن بفضل التجريب فقط … " .
   وعليه يصبح التفسير الغائي تفسير فلسفي والعلم تطور عندما ابتعد عن الغائية ، لأن إنكار مبدأ الحتمية هو إنكار للعلم ( لا يمكننا القول بوجود علم البيولوجيا)
  نقد الحجة :
     الخصوصية التي تمتاز بها المادة الحية عن المادة الجامدة تثبت استحالة تطبيق مبدأ الحتمية في البيولوجيا لأن المادة الحية متغيرة وفريدة من نوعها متشابكة في عناصره ، وأكثر من ذلك فهي تهدف إلى غاية . 

القضية 02 : 
تفسير الكائن الحي لا يكون وفق مبدأ الحتمية بل وفق الغائية  لأن   الظواهر الحية ترجع إلى علم الروح دون تقيدها بأي حتمية ، وهذا ما ينفي تكرار الظاهرة بنفس الشروط ، فضلا عن أن الروح كفكرة ميتافيزيقية يصعب علينا أو من المستحيل أن تجسد في الواقع ، وهذا دليل على أن أحد شروط الفرضية العلمية غير ممكن " يجب أن تكون الفرضية قابلة للتحقيق عن طريق التجريب "   ،وهذا ما جعل المادة الحية تتميز عن المادة الجامدة بصفات أهمها الغائية باعتبار أن الأنشطة العضوية التي يقوم بها الكائن الحي موجهة نحو تحقيق غاية معينة وهــي تحقيق التوازن العضوي  " توازن الكائن الحي" أرسطو الحياة طبيعة لا تفهم إلا عـلى ضوء التفسير الغائي . كما نجد أيضا من بين العوائق صعوبة تصنيف الظاهرة الحية كما هو الشأن في المادة الجامدة ،لأن كل كان حي ينطوي على خصوصيات ينفرد بها دون غيره وبالتالي صعوبة إخضاع الظاهرة الحية لمبدأ الحتمية الذي يمتاز بالمطلقية لهذا فالظاهرة الحية تمتاز بالفجائية الشيء الذي يطرح صعوبة التنبؤ بالظاهرة يقول برغسون " مع الحياة ظهرت الظواهر الفجائية التي لا يمكن التنبؤ بها ."
 إضافة إلى ذلك نجد كل عضو وجد من أجل تأدية وظيفة معينة لهذا فالوظيفة سابقة وجودا للعضو ، وتكامل الوظائف يؤدي إلى حفظ التوازن والبقاء وهي غاية داخلية ، أما الخارجية فتتكون من علاقة الكائنات مع بعضها
 هذه العوائق  التي تمنع تجسيد مبدأ الحتمية فرضت عدم مصداقية التجربة ، لأن هذه الأخيرة تتطلب العزل وهذا ما لا يمكن تحقيقه في المادة الحية لأنه لا يمكننا عزل العضو عن محيطه الأصلي إلى الاصطناعي  وإلا تصبح التجربة على المادة الجامدة لا الحية ،فلا يمكننا مثلا استئصال الغدة النخاعية دون أن نأخذ بعين الاعتبار مفعول المخدر والصدمة النفسية
 نقد الحجة :
     صحيح أن الظاهرة الحية تمتاز بالخصوصية إلا أن التسليم بوجود الغائية في الحياة يبعد البحث عن التفسير العلمي لهذا لايمكن اعتماد الغائية كأساس للعلم لأن التفسير الغائي أقرب إلى التفسير الغيبي الميتافيزيقي منه إلى التفسير العلمي باعتبار الغائية عائقا أمام البحث العلمي .
التركيب          
      إن الإيمان الكامل بمبدأ الحتمية في مجال الكائنات الحية لا ينفي وجود نوع من الغائية يتحقق وفقها الانسجام والتضامن بين الأعضاء ، فلقد آمن كلود برنار بالحتمية في علوم الحياة لكنه لم ينكر الغائية حتى قال عنه رافسون " إن نظرية كلود برنار هي نظرية ما يسميه الميتافيزقيون بالعلة الغائية " فالبيولوجيا تعتمد على منهج علمي يخضع لمبدأ الحتمية دون التخلي عن الطبيعة الغائية ، وهنا يقول باسكال " إن الكائن الحي آلة حية من صنع الله ترتبط أفعالها ارتباطا حتميا فكل وظيفة حية تتطلب وظيفة حية أخرى التي تنتهي إلى غاية ما تتمثل في توازن الجسم الحي . " وهذا دليل على أن الغائية لا تنفي الحتمية .




  حل المشكلة
    يمكن القول في الأخير أو على ما سبق ذكره أن الكائن الحي له طبيعة خاصة وأن علم الحياة يمكن أن يوجد دون أن يكون مضطر لأن يحل هذا المشكل المتمثل في الغاية ، فإذا كان القول بالحتمية  لا ينكر القول بالغائية ، فإن التسليم أيضا بوجود الغائية في علم الحياة لا ينفي الحتمية بل يستلزم القول بها ، لأن التسليم بوجود الغائية وحدها لا يكفي بل لابد من التعرف على خصائص التركيب الذي يمكن من تحقيق الغاية ، وهذا يعني أن أي ظاهرة تحدث في الكائن الحي مرتبطة بشروط ، وهذا يثبت أن تطبيق مبدأ الحتمية في البيولوجيا يتطلب نوع من الدقة فقط حتى  نتمكن من تفسيرها تفسيرا علميا























نص السؤال هل يمكن دراسة الظاهرة الإنسانية دراسة علمية ؟
  
         إن التطور الذي عرفته العلوم التجريبية في العصر الحديث نتيجة اعتمادها على التجربة كمصدر لليقين سعت مختلف العلوم الأخرى إلى محاولة تجسيد الدراسات العملية على مختلف الظواهر التي تدرج ضمنها ، ومن بين هذه العلوم نجد العلوم الإنسانية ، ونتيجة اختلاف الظاهرة الطبيعية عن الإنسانية أصبحت مسألة دراسة الظاهرة الإنسانية دراسة علمية غير ممكنة ، وفي مقابل ذلك نجد أن الميزة التي امتازت بها فرضت خصوصية ومنهج منظم يمكن الظاهرة الإنسانية من التحقيق العلم ، التناقض الموجود بين التصورين فرض جدلا ونقاش بين الفلاسفة والعلماء .
 فهل يمكننا الإقرار بإمكانية خضوع الظاهرة الإنسانية للتحقيق العلمي ؟

         لا يمكن دراسة الظاهرة الإنسانية دراسة علمية ، ذلك أن هذه الأخيرة تمتاز بجملة من الخصائص والمميزات التي تجعلها تختلف عن الظاهرة الطبيعية مما أدى إلى وجود عدة عوائق تصادف الباحث عند محاولته دراسة أي ظاهرة إنسانية فالظاهرة التاريخية مثلا تختلف عن المادية لهذا نجد بعض المفكرين يظنون أن التاريخ لا يمكنه أن يكون علما كغيره من العلوم منهم وليام دلتاي وكروتشه  نتيجة العوائق التي تصادف المؤرخ كون الحادثة التاريخية  حادثة إنسانية : أي أنها تتعلق بما يحدث للإنسان فقط ، لأن التاريخ لا يدرس ماضي الظواهر الطبيعية بل الظواهر الإنسانية من حيث أنها حوادث محددة بالزمكان " الزمان والمكان " لا يمكن تكرارها وملاحظتها من جديد لهذا لا يمكن فصلها عن الزمان والمكان الخاصان بها وإلاّ فقدت صفتها التاريخية . كما أنها حادثة اجتماعية لأن الحوادث الفردية لا تكون تاريخية إلاّ إذا تمكن أصحابها من التأثير على سير الحوادث إما عن طريق إحداث تقاليد جديدة كما يحدث ذلك في الفن والعلم والدين ، وإما عن طريق توجيه الجماعات كما يفعل ذلك رجال الحكم والزعماء . أي أن الحادثة لا تكون تاريخية إلاّ إذا شمل صداها مجتمعا بأسره مهما كان هذا المجتمع كبير أم صغير . إضافة إلى أنها حادثة تعرف بطريقة غير مباشرة على خلاف الملاحظة الطبيعية التي تتم بطريقة مباشرة وبالتالي يمكن التجريب عليها ، لهذا فهي – الإنسانية – غير قابلة لأن تحدث مرة جديدة بطرق اصطناعية ، كما أنها غير قابلة للتكميم ذلك أن المؤرخ لا يمكنه أن التأكد من صحة افتراضه عن طريق التجربة العلمية ، أي أنه لا يستطيع مثلا أن يحدث حربا "تجريبية " حتى يتأكد من افتراضاته ، وبالتالي استحالة الوصول إلى قوانين عامة ، وهذا ما من شأنه أن يمنعنا من التنبؤ بحدوث الظاهرة في المستقبل . وما يؤكد استحالة دراسة الحادثة التريحية دراسة علمية هو صعوبة تحقيق الموضوعية  لأن المؤرخ إنسان ينتسب إلى عصر معين ومجتمع معين ، فهو لا يستطيع -على الرغم من اجتهاده في أن يكون موضوعيا  - أن يكتب التاريخ إلاّ طبقا للواقع الذي يحياه ، فيعيشه من خلال قيمه واهتماماته ، وتربيته ، فالمواطن الجزائري الذي يكتب عن تاريخ فرنسا قبل 1962 ليس هو المواطن الذي يكتب عنه بعد هذا التاريخ ، ذلك أن الماضي يعاد بناؤه ، كما أننا لا نستطيع أن نطلب من الاشتراكي أن يعطينا دراسة موضوعية حول الرأسمالية .
        ومن جهة أخرى نجد أن الظاهرة الاجتماعية تستحيل فيها أيضا الدراسات العلمية نتيجة الخصائص التي تمتاز بها والتي جعلتها تختلف عن الظاهرة الإنسانية  ،هذا ما حاول أن يؤكد عليه العديد من الفلاسفة من بينهم كارل مانهايم  ماكس فيبر ، وماكس شيلر . فهي ليست اجتماعية خالصة أي أنها تنطوي على خصائص بعضها بيولوجي وبعضها نفسي ، لهذا اعتقد البعض أنها تلحق بالدراسات البيولوجية ما دام الذي يميزها لا يختلف كثيرا عن الظواهر الحيوية أو البيولوجية وما يميزها من قوانين تخضع له أيضا ظواهر المجتمع ، ويميل البعض إلى أنها تلحق بالظواهر النفسية لأن ما تنطوي عليه من خصائص يتفق إلى حد كبير مع ما تقوم عليه الحادثة النفسية ، ويتجه صنفا آخر إلى تفسيرها تفسيرا تاريخيا لأنها لا تكاد تتطور في الزمان والمكان حتى تدخل في الماضي . كما أنها ظاهرة إنسانية لا تشبه الظواهر الطبيعية ، فهي مرتبطة بحياة الإنسان ن وهذا الأخير متغير لا تتحكم فيه الحتمية التي تخضع لها الظواهر الطبيعية ، وبالتالي لا يمكن ان تخضع للبحث العلمي ، كون الإنسان يملك حرية الإرادة في التصرف ، فالزوج مثلا في مستطاعه أن لا يطلق زوجته بالرغم من حضور الأسباب المهيئة للطلاق . هذا ونجد أيضا الظاهرة الاجتماعية ظاهرة خاصة وليست عامة لأنها تتعلق بالفرد ، وما هو خاص لا يكون قابل للدراسة من الخارج بفضل التحليل والتجريد ، وهذا ما يجسد الدراسات الذاتية في الدراسات الاجتماعية ، الشيء الذي جعل هذه الأخيرة كيفية لا كمية أي قابلة للوصف لا التقدير الكمي يقول جون ستيوارت ميل :" إن الظواهر المعقدة والنتائج التي ترجع إلى علل وأسباب  متداخلة ومركبة لا تصلح أن تكون موضوعا حقيقيا للاستقراء العلمي المبني على الملاحظة والتجربة ."
ومن العوائق التي تصادف عالم الاجتماع عند دراسته للظاهرة الاجتماعية نجد صعوبة تحقيق الموضوعية كما هو الشأن في الظواهر الطبيعية ، وهنا يؤكد أحد العلماء  وهو جبسون gibson على أن تحقيقها الكامل في العلوم
01
الاجتماعية يعتبر مثلا أعلى يصعب تحقيقه ،لأن الباحثين الاجتماعيين هم أفراد يعيشون في مجتمعات يتفاعلون مع أوضاع الحياة القائمة ، ويقبلون ألوانا معينة من أساليب التفكير والسلوك القائمة في مجتمعاتهم ، ومن ثمة هناك عوامل قد تنأى بهم عن الموضوعية فالمركز الذي يشغله الإنسان والطبقة التي ينتمي إليها والعصر الذي يعيش فيه قد تؤثر فيما يتوصل إليه من نتائج أو فيما يصدره من أحكام ، وبالتالي لا يمكن للعلوم الإنسانية أن تتخلص من أثار الإيديولوجيا  هذه العوائق كلها أدة إلى استحالة تطبيق التجربة على الظاهرة الإنسانية ، الشيء الذي يقف كعقبة أمام الوصول إلى قوانين عامة تفسر حقيقتها ، وبالتالي صعوبة التنبؤ .
أما إذا جئنا إلى الحياة النفسية نجد الظاهرة النفسية لها هي الأخرى جملة من الخصائص التي جعلتها تختلف عن الظاهرة الجامدة ، الشيء الذي ولد عدة عوائق أمام علماء النفس  باعتبار علم النفس  علما يعنى بدراسة الحوادث والحالات النفسية للكشف عن قوانينها بعيدا عن النفس كجوهر ميتافيزيقي هذا ما حاول أن يؤكد عليه برغسون ووليام جيمس   واهم العوائق التي تصادف الباحث أو الدارس نذكر من أهمها ما يلي :
موضوع غير ثابت ولا يعرف مكان محدد كما هو الشأن في ظواهر الطبيعة ، فلا مكان للشعور ولا محل للإنتباه ولا حجم للتذكر أو الحلم ، لأن الحوادث النفسية تمتاز بالديمومة والحركية ولا تبقى على حالها في زمنين متواليين لهذا فإن تطبيق المنهج التجريبي عليها يعني القضاء على ديمومتها ، ودراستها كماض لا كحاضر ، أي كشيء ثابت جام لا ظاهرة حية . كما نجد أيضا الظاهرة النفسية تمتاز بشدة التداخل والاختلاط بحيث يشتبك فيها الإدراك مع الإحساس ، والذكاء مع الخيال ، والانتباه مع الارادة ... ، دون نسيان أنها حادثة كيفية لذلك فهي قابلة للوصف ولا يمكن قياسه مثل الظاهرة الطبيعية كأن أقول إن شعوري يقدر بمائة كلم كما أن اللغة المستعملة تعجز أحيانا عن وصف كل ما يجري بداخل النفس ، فضلا عن تدخل اللاشعور نتيجة صدور من الفرد سلوكات وأفعال لا يعي أسبابها . إضافة إلى ذلك نجد الظاهرة النفسية حادثة شخصية داخلية لا يعرفها إلاّ صاحبها ، كما أننا لا نجد نفس الحالة الشعورية عند جميع الأفراد وحتى إن كان الموضوع المشعور به واحد .
النقد
   لكن إذا كانت هذه العوائق – سواء التي تتعلق بالموضوع أو الذات – تحول دون تطبيق المنهج التجريبي  في الظاهرة أو الحادثة التاريخية بشكل ، فإن هذا لا يعني البتة أنه لا يمكن دراستها دراسة علمية لجعل التاريخ علما قائما بذاته ، فإذا كان الاستقراء التجريبي هو الأنسب لدراسة علوم المادة فإن العوائق الإبستيمولوجية التي صادفته أدت إلى استحداث منهج يسمح بدراسة الحادثة التاريخية دراسة علمية ، ويعتبر ابن خلدون السباق إلى رسم منهج واضح المعالم يمكننا من دراسة الحادثة التاريخية ويفسرها  أي أنه لم يكتف بمجرد نقلها والإشارة إلى مكان حدوثها من عدمه ، بل تجاوز ذلك إلى تفسيرها وربطها بعللها أسبابها
   يمكن دراسة الظاهرة الإنسانية دراسة علمية بشرط تكييف المنهج العلمي وخطواته وفق ما يتماش مع طبيعة الظاهرة المدروسة ففي الظاهرة التاريخية مثلا نجد ابن خلدون يؤكد على امكانية تحقيق الموضوعية فيها ، وذلك من خلال منهج قائم على مجموعة من الخطوات تتجسد من خلالها خطوات المنهج التجريبي والقائمة أساسا على :
أولا : جمع المصادر:  والتي يمكن أن نميز فيها نوعين من المصادر التاريخية " إرادية وغير إرادية " فالمصادر الإرادية تتمثل في تلك الأثار والوثائق التي أنجزها الإنسان واحتفظ بها قصد تأريخ الحادثة وإخبار الآخرين بها كالمجلات والصحف ، ورسائل القادة التاريخية ، ونصوص الاتفاقيات والروايات والمعاهدات المختلفة ، والقصص الواردة في القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية الشريفة ... إلخ .
المصادر الغير إرادية : تتمثل في مختلف المصادر والآثار التي تركها الإنسان عن غير قصد ، والتي فرضتها الحاجة إليها ، كالحصن والأبراج  والأسلحة التي تم تشييدها من أجل الحماية والدفاع عن النفس أو الدولة والمملكة ، إضافة إلى النقود مثلا التي صنعت لتسهيل التعامل والتبادل التجاري .
  هذه العملية على حد تعبير ابن خلدون مشروطة بمعرفة طبائع العمران، فلا يصح مثلا أن يتحدث باحث على ما يصطلح عليه اليوم " حرب المدن أو الشوارع " في سياق حديثه عن حروب ومعارك تنتمي إلى العصور الوسطى أو القديمة ، بمعنى أن معرفة طبائع العمران طريق إلى معرفة إمكانية حدوث الواقعة من عدمها يقول ابن خلدون في حديثه عن الكيفية التي يتعامل بها مع الخبر :" ... إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها  بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور و مزلة القدم والحيد عن جادة الصدق ..."

02 - مرحلة النقد :
بعد جمع المصادر يجب على المؤرخ تفحصها ونقد الوثائق كلها ، وعليه أن يعتبر "كل وثيقة مدانة حتى تثبت براءتها" أي عليه أن يشك في أمانة وصحة الأخبار التي تتضمنها كل وثيقة حتى يتمكن من الكشف عن كل مبالغة وتزييف أو
02
تحريف فيها ، وفي هذه المرحلة يميز المؤرخون بين نوعين من النقد " الخارجي والباطني "

أ – النقد الخارجي أو المادي :
  يتناول شكل الوثيقة الخارجي ومادتها حتى يتأكد من حقيقتها وأصلها إذ قد تكون الوثيقة التي تسقط بين يديه صورة محرفة للوثيقة الأصلية الحقيقية ، فإذا كانت هذه الوثيقة مثلا رسالة عليه أن يدرس الورق المستعمل ، والحبر والخط ، والأسلوب والإمضاء ... إلخ وفي هذا المجال يستعمل المؤرخ تقنيات وطرق علوم أخرى كالكيمياء وعلم الآثار ،وعلم الخط ....،إلخ ، فمن اللا منطقي مثلا أن يأخذ الباحث أو المؤرخ بوثيقة كتبت بالآلة الراقنة كشاهد حي على حادثة

وقعت في زمان لم يبلغ بعد لمستوى هذه التكنولوجيا ، وهذا يعني أن نوع الخط  يكون موضوع نقد من قبل الباحث بغض النظر عن تفحص نوع المادة كنوع الورق او الحبر . وإذا كان هذا المصدر نقود أو سلاحا أو أوسمة وجب على المؤرخ تفحص نوع المعدن ، طبيعة او نوع المواد الكيمياوية إذا كان المصدر من الآثار الفنية أو القديمة .
النقد الباطني " الداخلي " :
   يختبر مدى صحة مضمون الوثيقة وذلك بمقارنتها بوثائق أخرى ذات منابع مختلفة فيكشف عن وجه الاختلاف والاتفاق ثم يقوم بدراسة شخصية صاحبها قصد معرفة العوامل المختلفة التي قد تؤثر فيه وتدفعه إلى الكذب ، وقد حدد إبن خلدون في كتابه المقدمة أسباب كذب الراوي وحصرها فيما يلي :
-        التشيع لآراء المذاهب " مناصرة قضية أو مذهب " فإن النفس إذا كانت على حال من الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه ، وإذا استسلمت وتشيعت لرأي او نحلةٍ قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة ن وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحص فتقع في قبول الكذب ونقله
-        الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والترجيح .
-        الذهول عن المقاصد " السهو ، التغافل والخروج عنه " فكثيرا من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين او سمع  وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه ن فيقع في الكذب ومنها توهم الصدق
-        الجهل بتطبيق الأحوال على الواقع " الخروج عن سياق الخبر " لأجل ما يداخلها من التلبس والتصنيع فينقلها المخبر كما رآها وهي التصنع على غير الحق في نفسه .
-        التقرب إلى أصحاب التجلة والمراتب " أصحاب الجاه والاعتبار " بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك ، فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة .
-        الجهل بطبائع الأحوال العمراني ، فإن كل حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته يعرض له من أحواله ، فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على الصدق من الكذب .
وفي هذه المرحلة من النقد يتحول المؤرخ إلى خبير نفسي يثبت درجة مصداقية صاحب الوثيقة ومدى اطلاعه على الأخبار والمنابع التي استقاها منها .
  03 – المرحلة التركيبية للحادثة التاريخية :
     بعد الانتهاء من التدقيق والتمحيص للمصادر عن طريق النقد يلجأ المؤرخ بعد هذا إلى محاولة تركيب الأحداث ترتيبا مكانيا و زمانيا وتنسيقها مع مراعات العلاقة القائمة بينها لآن الأحداث المشتة المنعزلة لا تعطينا علما تاريخيا وإذا ما وجد في ترتيبها بعض الفجوات أو أحداث تاريخية غير موجودة يلجأ إلى ملئها بافتراضاته واستنتاجاته الخاصة المستوحاة من الحقائق التي تحدثت عنها تلك الوثائق ، وعليه في الأخير أن يقيم الحادثة وأن يبرز مدى أهميتها وتأثيرها في مجرى الحياة الاجتماعية .   
   * صحيح أن هذه الدراسة المقارن التي أكد عليها ابن خلدون من شأنها أن تحقق الموضوعية ولو بنسبة معينة إلاّ أن هذا لا يعني تجسيد التجربة العلمية ما دامت الظاهرة التاريخية تمتاز بخصائص مخالفة للظاهرة الطبيعية ، كما أن اعتماد المؤرخ على الفرض لملأ الفجوات يجعل التفسير ذاتي وقد تنحرف الحادثة عن المعنى المقصود لها ، وهذا ما من شأنه أن يؤدي إلى انحراف الحادثة التاريخية عن مقاصدها وبالتالي تحريفها .  
       أما إذا جئنا إلى دراسة الظاهرة الإجتماعية دراسة علمية نجد ابن خلدون من الأوائل الذين عملوا على فهم الظواهر الاجتماعية ودراستها دراسة تجريبية وتجاوز العوائق التي تصادف ذلك ، وأطلق على هذا العلم  إسم " عمران العالم " ، ثم جاء بعده أوغيست كونت زعيم الفلسفة الوضعية وكان هو أول من استعمل اسم " علم الاجتماع " وبعد ذلك تناول إيميل دوركايم الظاهرة الاجتماعية من خلال دراستها دراسة تجريبية قائمة أساسا على تحديد
03

خصائصها ، والعوامل التي تتحكم فيها وأهم الخصائص :
الظاهرة الاجتماعية خارجة عن شعور الأفراد ، ذلك أنهم ليسوا هم من خلقها ، لأن الفرد يولد ويجد المجتمع كاملا أمامه بعاداته وأعرافه وقوانينه وهو يخضع لها فالدين مثلا سابق عن وجود الفرد المؤمن فهو يجده تام التكوين منذ الولادة  ،يقول دوركايم ": لما كان هذا العمل المشترك يتم خارج شعور كل فرد منا فإنه يؤدي بالضرورة إلى تثبيت وتكريس بعض الضروب الخاصة من السلوك والتفكير ، وهي تلك الضروب التي توجد خارجة عنا ، والتي لا تخضع لإرادة أي فرد منا على حدة ." أي أن دوركايم يؤكد على أن علم الإجتماع ما كان له أن يوجد إلاّ عندما شعر المفكرين بأن الظواهر الاجتماعية أشياء ذات وجود حقيقي وبأنه يمكن دراستها حتى وإن لم تكن أشياء مادية بمعنى الكلمة . يقول دوركايم :" إن الظواهر الإجتماعية أشياء ويجب أن تدرس على أنها أشياء ، وإذا أردنا البرهنة على صدق هذه القضية فلسنا في حاجة إلى دراسة طبيعة هذه الظواهر دراسة فلسفية ". ويوضح دوركايم معنى الشيئية بقوله :" إننا لا نقول في الواقع أن الظواهر الاجتماعية أشياء مادية ، ولكننا نقول إنها جديرة بأن توصف بأنها كالظواهر الطبيعية تماما ... ، ومعنى أن نعتبر الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء هو دراستها بنفس الطريقة التي تدرس بها الظواهر الطبيعية ، أن نتحرر من كل فكرة سابقة حول هذه الظواهر ، وأن تأتي معرفتنا بها من الخارج عن طريق الملاحظة والمشاهدة ، وليس من الداخل عن طريق التأمل والاستبطان ، وليس معنى أننا نعالج طائفة خاصة من الظواهر على أنها أشياء هو أننا ندخل هذه الظواهر في طائفة خاصة من الكائنات الطبيعية ، بل معنى ذلك أننا نسلك حيالها مسلكا عقليا خالصا ، أي أننا نأخذ في دراستها وقد تمسكنا بهذا المبدأ الآتي ، وهو أننا نجهل كل سيء عن حقيقتها ، وأننا لا نستطيع الكشف عن خواصها الذاتية وعن الأسباب المجهولة التي تخضع لها عن طريق الملاحظة الداخلية مهما بلغت هذه الطريقة مبلغا كبيرا من الدقة . وهكذا يعتبر دوركايم أن التحرر من كل فكرة سابقة وتفسير الاجتماعي بالاجتماعي واعتبار الظواهر الاجتماعية كأشياء هي مقومات الأسلوب العلمي الوضعي القائم على الوصف والتحليل ومنطق المقارنة ، فلا يقيم وزنا للتخيل والتأمل والاستبطان الداخلي والآراء الذاتية .     
كما نجده أيضا تماتز بأنها ظاهرة إلزامية جبرية ، والأفراد والجماعات ملزمون بتطبيقها ومن يخالفها يتعرض للعقاب يقول دوركايم :" لست مجبرا على استخدام اللغة الفرنسية كآدات للتخاطب مع أبناء وطني ، ولست مضطرا إلى استخدام النقود الرسمية ، ولكن لا أستطيع إلاّ أن أتكلم هذه اللغة وإلاّ أن أستخدم هذه النقود ولو حاولت التخلص من هذه الضرورة لباءت محاولتي بالفشل ." 
هذا ونجدها ظاهرة جماعية تتمثل فيما يسميه دوركايم بالضمير الجمعي ، أي انها لا تنتسب لأي فرد من الأفراد ولا إلى جماعة من الأفراد ، فهي تلقائية عامة يشترك فيها جميع الأفراد ، وتتكرر مدة طويلة من الزمن .
كما تمتاز بأنها حادثة تاريخية تعبر عن لحظة من لحظات تاريخ الاجتماع البشري ، فالعادات والمعتقدات والشرائع التي يتناقلها النشء عن الأجداد هي أساس التراث الاجتماعي
وهكذا توصل دوركايم إلى محاولة تفسير الظاهرة الاجتماعية تفسيرا وضعيا علميا مبتعدا عن الدراسات الفلسفية .
        أما فيما يخص الظاهرة النفسية فترتبط الدراسات العلمية في مجال الدراسات السيكولوجية بإمان علماء النفس بان الموضوعية ليست حكرا على العلوم التجريبية ، وقد كانت للفيزيولوجية آثارا على علم النفس ، وتجسدت المبادرة الأولى مع المدرسة السلوكية بزعامة الأمريكي واطسن الذي استفاد من التجارب التي قام بها العالم الفيزيولوجي الروسي بافلوف المتمثلة في :
  " أخذ بافلوف كلبا وأجرى عليه عملية تشريحية بعد أن ثبت أطرافه كلها ، وأحظر أدوات لالتقاط قطرات اللعاب وقياس مقداره ، فكان يقدم له الطعام ليستثير سيلان اللعاب ، ولاحظ أن هذ الأخير – اللعاب- يأخذ في السيلان عند الحيوان بمقدار معين عندما يضع على لسانه قطعة من اللحم المجفف ، وكان في الوقت الذي يقدم فيه الطعام يقرع الجرس ، وبعد أن كرر التجربة مرات لاحظ أن قرع الجرس وحده كفيل باستثارة سيلان اللعاب ، وقد اختار مصطلح المنعكس الشرطي ليؤكد وجود منعكس تكون فيه الاستجابة مرتبطة بمؤثر ، وقد سمى بافلوف دراسته هذه بفيزيولوجيا الدماغ ." هذه المبادرة التي قام بها بافلوف أثارت اهتمام الباحثين السيكولوجيين في فهم كل عمليات التعلم من عادة وتذكر وإدراك ، الشيء الذي فتح أفاق جديدة في دائرة الدراسات النفسية مع واطسون الذي رفض أن يعنى علم النفس بدراسة المفاهيم الفلسفية والتأملية كالشعور ،والتفكير والعقل داعيا إلى حذف الاستبطان باعتباره المنهاج المعتمد في دراستها ، وأن كل ما قام به التركيبيين هو أنهم استبدلوا كلمة الروح الميتافيزيقية بكلمة الشعور التي تحاكيها غموضا وتماثلها في أنها غير محسوسة وغير قابلة للقياس الشيء الذي جعل الشعور غير قابل للدراسة العلمية ،يقول واطسون ": إن علم النفس كما يرى السلوكي فرع موضوعي وتجريبي محض من فروع العلوم الطبيعية هدفه النظري التنبؤ عن السلوك وضبطه " ... " ويبدو أن الوقت قد حام ليتخلص علم النفس من كل إشارة إلى الشعور ."هذا ما جعل  واطسون يدعو إلى أن تكون مهمة علم النفس دراسة السلوك باعتباره استجابة أو رد فعل على المنبهات التي تنصب عليها من
04
جهة والتنبؤ بالسلوك وضبطه من جهة أخرى ، فالسلوك كما هو معروف أفعال قابلة للملاحظة والقياس ،وهو ما يجعله أساسا صالحا لأن يكون لأن يكون موضوعا لعلم النفس " فإذا لم تكن قادرا على رؤية ما تدرسه وتقيسه إنسَهُ" ، كما أكد واطسون على قيمة البيئة في السلوك وتشكيله وقلل من شأن السلوك الغريزي إن لم ينفه إطلاقا ،فالإنسان صُنعة البيئة والتنشئة حتى إنه بضبط البيئة والتحكم فيها يمكن أن يجعل المربي من أي طفل أي شخصية يريد لهذا فإن التعلم أهم عامل محدد للسلوك .
 النتائج التي وصلت إليها الطريقة السلوكية فتحت أفاقا جديدة في مجال الدراسات النفسية وظهرت مناهج متعددة لتفسير الحادثة النفسية ، وتوسعت ميادين علم النفس " علم النفس الطفل ، الاجتماع ، الحيوان ، ... إلخ " فتمكن علم النفس من تجاوز العقبات والعوائق وبلوغ الموضوعية وظهرت فيه المناهج والنماذج التفسيرية الحديثة .
     النقد
     هذه الدراسات التي قام بها العلماء سواء في الظاهرة التاريخية أو الاجتماعية وحتى النفسية جعلت العلوم الإنسانية تتغنى بالصفة العلمية لكن  تحقيق الموضوعية في الظاهرة التاريخية غير قابل للتحقيق لأن التجرد من العواطف في دراسة التاريخ صعب المنال والأخذ بالمبادرة الشخصية أم ممكن واضطراري لأنه إنسان له مشاعر يشارك بها غيره .الشيء الذي يفتح المجال للاجتهاد الشخصي ، وما لجوء المؤرخ إلى خياله لملأ الفجوات التي تصادفه عند بناء الحادثة التاريخية وترتيبها إلاّ دليل على عدم تحقيق الموضوعية ، لأن العاطفة سوف تتدخل هنا .
  كما أن النظر إلى الظاهرة الاجتماعية من الخارج يمكن من الوصل إلى حقيقتها ، لكن ما يعاب على دوركايم هو عدم تمييزه بين الظاهرة الفيزيائية والظاهرة الاجتماعية ، ذلك أنهما ليسا من طبيعة واحدة ، فالظاهرة الشعورية ليست هي نفسها ظاهرة انصهار المعادن ، كما الظاهرة الاجتماعية ليست خاصة . إضافة إلى ذلك رغم الجهود التي بذلها علماء النفس في المجال المنهجي ، لأن النتائج التي توصلوا إليها ليست ثابتة ، كما أن الحادثة النفسية ليست سلوك يتم بطريقة آلية خاضعة لتأثير المنبه ، لأنه شعور لا سلوك ، وهذا الأخير لا يمكن دراسته دراسة كمية قابلة للقياس ، لأنه يُعرَف ولا يُعَرف ويمتاز بالديمومة لا الانفصال
التركيب
    وعليه يمكن القول إن الباحث في العلوم الإنسانية لا بد أن يكون متأثرا بأحواله الخاصة سواء كان عالما في التاريخ أو علم النفس او علم الاجتماع نتيجة الخصوصية التي تمتاز بها أي ظاهرة مرتبطة بهذه الظاهرة ، لكن في مقابل ذلك نجد أن المنطق العلمي الحديث أعطى للظواهر الإنسانية ميزة علمية من شأنها أن تضع هذه الأخيرة في مصف العلوم لأنها لم تعد ترفا فكريا وثقافيا يمكن الاستغناء عليه ،كون العلوم الإنسانية أصبحت لها أهمية قصوى في عالمنا الراهن والذي طغت عليه المادة ، ذلك أن الإنسان أبح بإمكانه معرفة نفسه بنفسه ، وتحقيق الرفاهية والتقدم بالبحث عن مشكلات الإنسان ووضع حلول إيجابية لها .

        في الأخير يمكن القول أن الدراسات العلمية على الظاهرة الإنسانية مرتبطة بالمنهج المتبع وتكييفه حسب الطبيعة   
الظاهرة الإنسانية ، وبالتالي يمكن للدراسات القائمة في مجال العلوم الإنسانية من أن  تخلع على نفسها صفة العلم بالمفهوم الذي ينطبق مع خصوصيات ميدانها ، الشيء الذي جعلها – العلوم الإنسانية – تبرهن على أنها قادرة على تجسيد صفة الموضوعية ولو بنسبة معينة على مستوى معرفة الإنسان لنفسه وتعزيز هويته والرضا بتعايشه مع غيره انطلاقا من الماضي كقاعدة أساسية .

نص السؤال : إذا افترضنا الأطروحة القائلة :" الحكم المنطقي مرتبط بتأثير الحتمية النفسية " أطروحة صحيحة وتقرر لديك إبطالها .   فما عساك تفعل ؟
الطريقة : استقصاء بالرفع .
المراحل
    تحليل المقالة
مرحلة طرح المشكلة
       تصادف الفرد جملة من القضايا التي تدفعه إلى التساؤل والإجابة عنها بهدف تحليلها والوصول إلى تصور دقيق حولها مجسداً في حكم منطقي سليم يتقبله الذهن دون تناقض ، ونتيجة ارتباط الحكم بذات الفرد أصبح للميول والرغبات تأثير في ذلك ، الشيء الذي جعل البعض يعتبر أن الحكم المنطقي مرتبط بتأثير الحتمية النفسية ، لكن الفرد مدني بطبعه ولا يمكن له أن يعيش بمعزل عن الجماعة ، وبالتالي فإن تفكيره من تفكيرهم ، الشيء الذي يجعل الحكم المنطقي غير مرتبط بالحتمية النفسية .
  فما الذي يحملنا على ذلك ؟ وكيف لنا تفنيد صحة النظرة التي تعتبر بأن الحكم المنطقي مرتبط بتأثير الحتمية النفسية ؟    
مرحلة محاولة حل المشكلة
عرض منطق الأطروحة : 
      الحكم هو الوحدة الأساسية في المنطق نتيجة تأديته لوظيفة عقلية تخص الذات المفكرة ، فهو عمل من أعمال الفرد الإرادية ، هذه العملية دفعت بالعديد من الفلاسفة منذ القديم إلى عصرنا هذا إلى اعتبار أن الحكم المنطقي وجوده مرتبط بوجود الذات ، وبالتالي فإن بناءه مرتبط بهذه الحتمية الذاتية ، هذا ما جعل زعيم السفسطائيين قديما بروتاغوراس يقول :" إن الإنسان مقياس كل شيء " فما يراه الشخص بأنه حقيقة يكون فعلاً حقيقة صادقة وليس في ذلك خطأ ، لأنه لا يمكن القول بأن الشيء يحمل صفته في ذاته ، وإنما هو قائم في تصوري أنا له أو تصور غيري أيضا ، هذا إن دل فإنما يدل على أنه لا توجد هناك حقيقة مطلقة وإنما حقائق ما دام الفرد حسب السفسطائيين يعتمد على حواسه كمصدر للمعرفة و بالتالي بناء الأحكام ، إضافة إلى ذلك فإن القوانين المنطقية الأساسية التي تنظم أحكامنا ما هي إلاّ تجريدات وتعميمات لتجارب ذاتية ، فقانون عدم التناقض مثلا ناشئ عن التجربة الحسية التي نشعر فيها يوميا بأن الحركة والسكون لا يجتمعان ، وأن أحدهما يرفع الأخر وفي هذا الصدد يقول كوندياك " الحكم جمع بين احساسين في الذهن " . وفي السياق نفسه والمؤكد لارتباط الحكم بالذات نجد الفيلسوف الأمريكي وليام جيمس لا يعتقد بصحة شيء إلاّ إذا رأى نفعه ونجاحه ، لهذا فإن التفكير هو أولاً وآخرًا ، ودائماً من أجل العمل وتصورنا لأي شيء ندركه بالحس ليس في الواقع إلاّ أداة نحقق بها غاية ما ، وبالتالي فإن مقياس الحكم على الأشياء هو أن تحقق هذه الأخيرة منفعة عملية ، وأن كل فكرة أو بحث لا تحمل في طياتها مشروعاً قابل لإنتاج آثار عملية نفعية تعود على الفرد بالفائدة تعتبر خرافة شأنها شأن الكلام الفارغ ، فحتى الحكم على المعتقد الديني حسب هذه النظرية يعتبر صادقا طالما تترتب عنه آثار ونتائج عملية في حياتنا اليومية ، وفي هذا الصدد يقول وليام جيمس :" إن الفكرة الصادقة هي تلك التي تؤدي بنا إلى النجاح في الحياة " وهذا ما يثبت أن الحكم الصحيح والفكرة الصحيحة هما الناجحان واللذان نجني منهما عمل ، وهنا ينزل الحكم إلى الواقع الحسي ، هذا فضلا عن أن الإنسان في بعض الأحيان يستعمل العاطفة في عملية الحكم والاستدلال حيث تسبق النتائج مقدماتها .  والاستدلال بالمماثلة حيث يقس الغائب على الشاهد ، فكم من النظريات الفلسفية التي تفسر الوجود ، وكم هي متضاربة فيما بينها ، وفي مجال العلم نجد غاليلي فسر سرعة سقوط الأجسام عن طريق إقامة علاقة تناسب طردي بينها وبين المسافة التي تقطعها ، وفيما بعد إكتشف هو ذاته أن هذه الفرضية متناقضة ولا بد من الإعراض عنها .
إبطال الأطروحة :
     لكن الإقرار بأن الحكم المنطقي في بنائه يخضع إلى حتمية نفسية يدفعنا على طرح السؤال التالي : هل يمكن أن يعيش بمعزل عن غيره ؟  . هذا السؤال المطروح وما يترتب عنه من إجابات وتفسيرات تؤكد بوجود حقيقة واحدة والتي مفادها أن الحكم المنطقي غير مرتبط بالحتمية النفسية ، وإنما هو عملية يكتسبها الفرد داخل الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه ، وليس في جوهره مسألة فردية ولا نفسية ، ذلك أن تفكير الفرد من تفكير الجماعة ، وحتى ضميره من ضمير الجماعة ، هذا ما أكد عليه دوركايم في قوله :" إذا تكلم الضمير فينا فإن المجتمع هو الذي يتكلم ." وهذا الإقرار مفاده أن الحكم المنطقي لا يمكن أن يرتبط بالحتمية النفسية ما دام الفرد يتكلم بضمير الجماعة لا بضميره الخاص ، لذا فإن الأحكام التي يتوصل إليها والتي يعبر عنها في قضية منطقية لن يتسنى له بناؤها إلاّ إذا استعمل اللغة التي يتكلم بها المجتمع ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى نجد أن الحكم المنطقي مرتبط بتأثير المعتقدات التي يؤمن بها المجتمع ، وبالتالي فإن مخالفة الفرد لها تترتب عنها نتائج يتحملها الفرد لوحده نتيجة مقاومة ورفض المجتمع لها فغاليلي مثلا قضى فترة زمنية طويلة في إيجاد حل لفكرة أيهما يدور حول الآخر الشمس أم الأرض ،وعندما توصل إلى أن الشمس هي الثابتة والأرض هي التي تدور حولها تعرض لعقاب من المجتمع ، وذلك نتيجة مخالفة الحكم الذي توصله لما كان سائد في المجتمع ، إضافة إلى ذلك نجد أن أفراد المجتمع عند مناقشتهم لمختلف الأمور فيما بينهم ويحكمون على الشيء بالصواب أو الخطأ فلا بد من أن يتفقوا على أوضاع خاصة ومبادئ معينة يأخذون بها وينظمون سلوكهم على أساسها كالإجماع عند المسلمين القائم على عدم معارضة ولو شخص واحد للجماعة وإلاّ بطل الإجماع ، وفي هذا الصدد يقول غوبلو :" إن فكرة الحقيقة لا يمكن أن تفهم ولا أن تفسر إلاّ بالحياة الجماعية ، ومن دونها لا يتعدى الفكر حدود الفرد ، وحينئذ تكون طيبة أو رديئة ، ولكنها لن تكون صائبة ." وعلى أساس هذا التصور يصبح الحكم المنطقي غير مرتبط بتأثير الحتمية النفسية ، بل المجتمع هو مقياس كل شيء لا كما يبدو للفرد ، أو ما يترتب عنه من منفعة فردية ، فالخير والشر من حكم المجتمع والمعتقد الذي يدين ويؤمن به المجتمع ، ومن هذا المنطلق نصل إلى أن مبادئ العقل التي تبدو للبعض من وضع ذهن الفرد هي في حد ذاتها مفروضة عليه من طرف المجتمع ، وعندما كان هذا الأخير غير ثابت بل في تطور مستمر وتغير فإن الحكم يكون حسب المرحلة التي يكون فيها .
       وعندما كان المجتمع متغير فلا بد من تغيير الفرد لتصوراته ، هذه العملية أدت إلى تعدد في المذاهب والاتجاهات المتبعة في بناء مختلف الأحكام حول العديد من القضايا التي تصادف الإنسان يوميا ،فقد تكون فلسفية مثارة في قالب فكري فلسفي مرتبط بآراء ميتافيزيقية ، وقد تكون ذات صبغة علمية مرتبطة بمسايرة هذه الأحكام للتطور العلمي  مما أدى إلى اختلاف منطق كل حكم ، وبالتالي الخضوع إلى إحدى هذه الحتميات ، لكن الهدف يبقى واحد  هو تحديد شروط صحة الإستدلالات التي يقوم بها الفرد . فديكارت مثلا قال :" أن لا أتقبل شيء على أنه كذلك إلاّ إذا بدا لي بالبداهة أنه كذلك ." وهنا تأكيد على أن منطق الحكم عقلي ، لأن البداهة التي يتحدث عنها هنا هي العقل ، وهذا هو أساس المذهب العقلي عند الحكم على الأشياء .
 نقد منطق أنصار الأطروحة :
      ومنه هذا تصبح النظرة التي ذهب إليها ذوي الحتمية النفسية من أن الحكم المنطقي مرتبط بتأثير هذه الأخيرة كما أكد على ذلك الرواقيون ، والسفسطائيين والبراغمتيين ، باعتبار أن الفرد خاضع إلى ذاته في جميع معارفه وأحكامه ، ما دامت الحواس هي مصدر المعرفة ، والفرد يخضع لمختلف الدوافع الذاتية . ما هي  إلاّ نظرة فلسفية غير قابلة للتحقيق في أرض الواقع ، ذلك أن الحكم نشاط ذهني يكون نتيجة عملية استنتاجيه تمكن الفرد من الوصول إلى جوهر الشيء لا ظاهره كما يدعي ذوي الحتمية النفسية ، إضافة إلى ذلك نجد أن الأحكام العلمية تتصف بالموضوعية باعتبار أن هذه الأخيرة الميزة الأساسية للمعرفة العلمية لا الصفة الذاتية التي تجسد من خلالها مختلف الدوافع الذاتية ، وهذا إن دل فإنما يدل على أنه لا يوجد هناك دليل تجريبي أو علمي يثبت صحة ارتباط الحكم بالحتمية النفسية ، وحتى العقل يؤيد ذلك لأن ارتباط الحكم بالذات جعله متعدد ومتنوع ، وبالتالي لا يمكن التأكد من صحته ، إضافة إلى ذلك فإن العقل لا يقر بوجود شيء يحتمل صفتين مختلفتين كأن يكون موجود وغير موجود ، فكيف لنا أن نقول أن الحكم مرتبط في بنائه بالحتمية النفسية والتي تترتب عنها نتائج متعددة ، والحكم الحقيقي لا بد من أن يكون واحد.        
مرحلة حل المشكلة
     ومن هذا كله يمكن القول بأن الحكم المنطقي الحقيقي والذي يتصف بسمة الموضوعية والمنطقية لا يمكن له أن يرتبط بالذات ، وبالتالي فإن القول بخضوعه للحتمية النفسية ليس له ما يبرره ، وعليه فلا يمكننا تقبله والتأكيد على صحته ، وإلاّ فإننا سنقع في تناقض وهذا ما لا يتقبله العقل ، فإذا قلت هذا فعل خير فليس لأنه يبدو لي أنا كذلك ، وعليه تصبح النظرة التي تؤكد على أن الحكم المنطقي مرتبط بتأثير الحتمية النفسية ، نظرة غير قابلة للأخذ بها والإقرار بصحتها .




شكرا لك ولمرورك